البدء في نشر حلقات من كتاب ( المنتخب من صحيح التفسير ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني تباعا                            تنبيه بخصوص ما ينشر على الصفحات المخترقة للدار ومحبي الشيخ الصادق الغرياني                            إطلاق النار في الهواء لا يجوز ومن فعله فهو آثم وعليه إن تسبب في قتل أحد الصومُ والعقوبةُ. الصادق بن عبد الرحمن الغرياني                            إلى الإخوة الأفاضل زوار الموقع: يمكنكم إرسال أسئلتكم واستفساراتكم الشرعية إلى البريد الإلكتروني [email protected] الخاص بدار الإفتاء                            رقم الإفتاء الموحد المجاني 1413                           
7 شهر ربيع الأول 1439هـ الموافق السبت 25 نوفمبر 2017م
 
Share |
           
2017-08-16 تاريخ الإضافة: 0 101 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 79- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (79).

 

(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) [البقرة:144 145].

 

(شَطْرَ) مفعول ثانٍ لـ(وَلِّ)، والشطر النصف، والمراد هنا الجهة، والمعنى: ومِن أيّ جهة أنت وحيث ما كنتَ، فحوِّل وجهك في الصلاة واصرفه تلقاء وجِهة المسجدِ الحرام، البيت العتيق؛ فهو القبلة، والمسجد الحرام علمٌ بالغلبة على ما كان محيطًا بالكعبة مِن جهاتها، للطوافِ بها، وهو من الأسماء القرآنية، ورد في سورة الإسراء، ووصفه بالحرامِ، لتعظيمهِ وتشريفه، أي: المسجد الذي له حرمةٌ وتعظيمٌ عند الله، كما قال تعالى: (عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ)([1])، ومن تعظيمه تحريمُ القتال فيه، وأنّه محرمٌ على الجبابرة والظلمةِ، أن يتحكموا فيه، قال تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)[2]، وقد جاءَ في هذا الأمرِ بالتوجهِ إلى القبلةِ ذكرُ (الشطْرِ) و(المسجدِ الحرامِ) دونَ التوجه إلى عين الكعبة؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان بالمدينةِ خارجَ مكةَ، والخارج عن مكة يكفيه استقبال الجهة، ولا يجب عليه استقبال عين الكعبة، بحيث يكون بدن المصلي مع جدار الكعبة على خط مستقيم، وسمتٍ واحد، فالتوجه على هذه الصورة لا  يجبُ إلّا على مَن كانَ يُعاين الكعبةَ ويراها، لا على مَن كان بعيدًا منها؛ لأن استقبال عين الكعبة للبعيد حرجٌ غيرُ مقدورٍ عليه، وهذا التفصيل - في الاستقبال للقريب من الكعبة والبعيد عنها - عليه جمهورُ أهل العلم (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) خُصّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أولًا بالخطاب في قوله: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) تحقيقًا للوعدِ الذي أعطيه، في قوله: (فَلَنُوَلِّينَّكَ) ثم خوطبت الأمة جميعًا تنصيصًا على عمومِ الحكم؛ ليبادروا بامتثال الأمر فورَ سماعه، وقد فعلوا، فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون نحو بيت المقدس، بعد أن قدموا المدينة ستة عشر شهرًا، إلى أن نزلَ الأمر بتحويل القبلة، فتوجهوا إلى الكعبة، وكان ذلك في رجب قبل بدر، ففي الموطأ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ)([3])، وفي رواية عند مسلم من حديث أنس رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ)([4])، وفي رواية من حديث البراء رضي الله عنه أنّ ذلك كان في صلاة العصر([5])، ويمكن الجمع بين الروايات بحمل كل رواية على أَهلِ مكانٍ مَخْصُوصٍ، فبعضُهم بلغه التحويلُ في صلاة الصبحِ، وبعضهم بلغه في صلاةِ العصر، وسمي المسجد الذي تحول المصلون فيه إلى الكعبة مسجد القبلتين. 

(وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) يعلم أهل الكتاب أن تحويل القبلة واستقبال الكعبة هو الحق، وأنه من ربهم؛ لعلمهم بأن سنته تعالى في عباده تخصيص كل شريعة بقبلة، ولتضمّن كتبِهم أنه صلى الله عليه وسلم يصلي إلى القبلتين، وضمير (أَنَّهُ) في الآية يعود على التحويلِ أو التوجّه (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) يلزمُ مِن نفي غفلة اللهِ عن عمل الفريقين؛ الوعدُ بوفاء الأجر للمؤمنينَ، والوعيدُ على تكذيب المكذبين.

 

(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ) اللام في (وَلَئِنْ) موطئة للقسم، دالة على قَسم محذوف، و(إِنْ) بعدها شرطية، و(أَتَيْتَ) فعل الشرط (بِكُلِّ آيَةٍ) الآية الحجةُ والبرهان، فهم لا ينقادون للحجة والبرهانِ، مهما أتيتهم مِن الآياتِ، وأكثرتَ منها (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) جوابُ القَسم المقدّر، اكتفي به عن جواب الشرط، لتقدم القسم عليه، والمعنى: لا طمع في اتباعهم قبلتك؛ لأن المانع لهم ليس شبهةً قامت عندهم، تزيلُها الآية والحجة والبرهان، وإنما المانع العناد والمكابرة، وهذا داءٌ لا دواء له، كما قال أسلافهم: (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ)[6] (وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) قطع لأطماعهم في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم لِقبلتهم، وأُكد بدخول الباء في خبر ما النافية، ووقوع النكرة في سياقها، الدالة على عموم نفي الاتّباع لهم على أيّ وجهٍ من الوجوه، فإنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو ثبتّ على قبلتِنا لَرَجوْنا أن تكونَ صاحبنَا الذي ننتظرُه ونتبعَكَ، فجاءهم الردّ حاسمًا، أنّ هذا مما لا طمعَ فيه (وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) هذا يشير إلى تعددِ قبلة أهلِ الكتاب؛ فاليهود تعودوا استقبال الصخرة، والنصارى مشرق الشمس، وما أحد منهم بتابع قبلة الآخر، ولا بمتابع لك في قبلتك.

(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ولو وقع - على سبيل الفرض والتقدير - متابعتك لأهوائهم ورغباتهم فيما تمنوه عليك، في أمرِ القبلة أو في غيرها، بعد ما علمت خلافه من الوحي، وجاءك فيه الحقّ، لو فُرض وقوعُ ذلك منكَ لكنتَ من الظالمين، وهو خطابٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم على الافتراضِ والتنزّلِ؛ لأنّه جيءَ فيه بـ(إنْ) الدالةِ على ضعفِ احتمال الوقوعِ، بعدَ القطعِ بنفيِهِ في قوله: (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ)، ولأنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياءِ معصومونَ عنِ الكبائر، فضلًا عن متابعةِ اليهودِ والنصارَى.  

 



[1]) إبراهيم: 37.                                 

[2]) الحج:25.

[3]) الموطأ: 463.

[4]) مسلم: 527. 

[5]) البخاري: 41

[6]) الأعراف:132.

2017-08-06 تاريخ الإضافة: 0 100 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 78- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (78).

 

(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) [البقرة:143 - 144].

(لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) علة لكون هذه الأمة وسطًا عدولا خيارا، أن يكونوا شهداء على الأمم الماضية والحاضرة التي لم تؤمِن، فمن أنكر منهم تبليغ الرسول إياهم، وقال: ما جاءنا من بشير ولا نذير، شهدت عليه أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالبلاغ، وذلك لما علموه من الوحي؛ أن جميع رسل الله بلغوا ما أنزل إليهم من ربهم، وأقاموا الحجة على أقوامهم، والآية حجة قاطعة على صحة ما اتفقت الأمة على نقله من أمور الدين؛ كوجوب الطهارة والصلاة والزكاة، وتحريم المحرمات؛ كالخمر والزنا والربا، لأنّها شهدت بعدالة مجموع الأمة، ولا فائدة من الشهادة بعدالتها إلا قبول ما نقلته من أمور الدين.

(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) تشهدون أنتم على الأمم، ويشهد النبي صلى الله عليه وسلم عليكم بالعدالة، وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقةِ هي تزكية وتعديل لهم، وليست شهادةً عليهم، لكن نظرًا لما تتضمنه التزكية من معنى الرقابة على المزكَّى عُديتْ بعَلى، أو هو من المشاكلة لما قبله مِن شهادتهم على الناس. 

وقدمت (عليكم) على عاملِها (شهيدًا) للاهتمام بشهادته صلى الله عليه وسلم عليهم.

 (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) الجعل هنا شرعيّ؛ لأنّ معموله القِبلة، وليس بمعنى الخلق، وعليه يكون متعديا لمفعولٍ واحدٍ، و(التي كنتَ) صفة، ويصحّ أن يكون الجعل على أصله ينصب مفعولين، و(التي كنت) مفعولا ثانيا، على معنى: وما جعلنا القبلة هي التي كنت عليها (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: الحكمة من تحويل القبلة التي كنت عليها من بيت المقدس إلى الكعبة، إنما هي لأجل أن يظهر لكم بالاختبار والتمحيص ما علمه الله، من أنّ منكم المطيع، المتبع للرسول، الصادق الإيمان، ومنكم المنافق المكذب، المنقلب على عقبيه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يصلون أول الأمر إلى بيت المقدس، بجعل الكعبة بينهم وبينه، وأُمروا بعد الهجرة أن يستمروا على الصلاة إلى بيت المقدس، تأليفًا لليهود، واستمر ذلك ستة عشر شهرا، كان صلى الله عليه وسلم يتطلع فيها إلى أن تتحول قبلته شطر المسجد الحرام، كما أخبر القرآن: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).              

(وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) (إِنْ) هي المخففة، واللام بعدها هي الفارقة بينها وبين إن النافية، والضمير في (كَانَتْ) للقِبلة، والانقياد إلى حكم الله فيها (لَكَبِيرَةً) من كبُر الأمرُ إذا اشتدَّ، ومنه قوله سبحانه وتعالى: (وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ)[1] أي: إنها لشديدة وشاقة، فالانقياد لأمر الله أمرٌ شاق، انقلب فيه بعض الناس على عقبيه، ونجا آخرون وسهل عليهم، وهم من هدى الله فانقادوا لأمره.

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) صلاتكم، فقد جاء في سبب نزولها عن ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ: (لَمَّا وُجِّهَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الكَعْبَةِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ بِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾)([2])، وفيه التنويه بتعظيم شأن الصلاة، حيث استحقت اسم الإيمان، وفيه دليل على أن الأعمال من الإيمان.

وفي (إِيمَانَكُمْ) التفات بضمير الخطاب، ولم يأتِ الجواب بضمير الغائب (إيمانهم) الذي يوافق السؤال؛ لإفادةِ العموم، بأنّ عدم إبطال العمل المتقدم إذا طرأ عليه النسخ ليس خاصًّا بمن وقع السؤال عنهم، أمثال سعد بن زرارة والبراء بن معرور وأبي أمامة، بل عمَّهم وغيرَهم ممن وقع ذلك لهم (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) رؤوف رحيم صفتان مشبهتان مِن الرأفة والرحمة، والرأفة في القرآن دائمًا تسبق الرحمة، قالوا والمناسبة في ذلك أن الرأفة ترجع إلى التلطف، والرحمة ترجع إلى الإنعام، وكما قيل: الإيناس قبل الإبْساس، أي الترفقُ في القول قبل العطاء والبذلِ، ومَن كانت الرأفة والرحمة صفة ملازمةً له، لا يضيع عنده شيءٌ من الأعمال.

 

 (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) (قَدْ) في كلام العرب للتحقيق، قالوا هي مع الأفعال بمنزلة (إنَّ) مع الأسماء، في تحققِ ما بعدها، والمرادُ هنا تحقق لازم ما وقع بعدها، وهو (نَرَى) ولازِمهُ الوعدُ بوقوع ما كان يتطلع إليه النبي صلى الله عليه وسلم من تحويل القِبلة، والتعبير بالمضارع في الفعل (نرى) يفيد تجدد الوعد لتأكيد وقوعه (تَقَلُّبَ) مصدر مطاوع قلب، ومعناه: تحول وتردد وجهك إلى السماء، وجيء في تعديته بـ(فِي) الدالة على الظرفية؛ للدلالة على تمكن هذا التقلب من الجهة التي يتطلع إليها، والتضعيف في قوله (تقلُّبَ) يعبر عن شدة ما كان يرجوه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتمكنه من نفسه، وكان صلى الله عليه وسلم يقلّب وجهه ويرددُه في السماء، المرة بعد المرة، متطلعًا أن يحوله ربه في الصلاة إلى مكة، وكان يقع في رُوعه أن يستجيب له ربه؛ لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولما يرجوه في ذلك من تأليف قلوب العرب، ومن أدبه صلى الله عليه وسلم مع ربه أنه تطلع إلى ذلك وطمع فيه، ولم يسأله (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وَلَّيْتُه الشيء جعلته واليًا عليه، متمكنًا منه، أجابه ربه بالوعد المؤكد بلام التأكيد الموطئة للقسم، بتمكينه من ذلك، وقال: (تَرْضَاهَا) دون تحبها؛ لأن الرضى محبة ناشئة عن حكمةٍ ومصلحة، لا عن هوى، كما هي محبةُ السفهاء اليهود والمشركينَ، التي نهاهُ الله عن اتباعها في قوله الآتي: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ). 

 



[1] الأنعام:35.

[2]) الترمذي: 2964.

2017-07-21 تاريخ الإضافة: 0 99 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 77- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (77).

 

(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة:142-143].

 

نزلت هذه الآية (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) قبل تحويل القبلة، ففيها إخبار بالغيب، عمّا سيقوله المشركون عندما يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة باستقبال بيت المقدس، فإنهم سيلومونه عن ترك الكعبة قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي يدعون اقتفاء أثره، وهي إخبار أيضًا بما سيقوله اليهود والمنافقون، عند تغيير القبلة فيما بعد، من بيت المقدس إلى الكعبة.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين قبل الهجرة كانوا يصلون إلى الكعبة، وبعد الهجرة أُمروا بالصلاة إلى بيت المقدس، تأليفًا لليهود بالمدينة، الذين يزعمون أن بيتَ المقدس قبلتُهم، فصلى المسلمون بعد الهجرة ستة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثم حولت القبلة إلى الكعبة؛ كما جاء في حديث البراء عند البخاري[1].

فإخبار القرآن بتحول القبلة قبل وقوعه إظهارٌ للمعجزة، وتثبيتٌ للمؤمنين، وتعليمٌ لهم كيف يجيبون عن سؤال المشركين واليهود حين وقوعه، حتى يكون الجواب أقطع لشغبِ المشاغبين.

والسفهاء جمع سفيه، صفة مشبهة من سفه، إذا صار السفه له سجيةً، والسّفهُ في اللغة: الخفة والطّيشُ، والمراد بـ(السُّفَهَاءُ) خفاف العقول، ضعاف الأحلام، فهم لا يقدرون على معرفة ما يصلحهم، لذا يرتكبون ما يلحق بأنفسهم المهانة والضرر (مِنَ النَّاسِ) المراد بالنّاسِ المنكرون لتغيير القبلةِ، من المشركين  واليهود والمنافقين، فكأنهم صنف من الناس لا أحدَ أسفه منهم، سيقولون: (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) ما الذي جعلهم يتركون ويعرضون عن بيت المقدس، قبلتهم التي كانوا يصلون إليها كما يقول اليهود، أو ما الذي جعلهم يتركون الكعبة، ويصلون إلى بيت المقدس، كما يقول المشركون.

وفعلُ (ولَّى) مِن الأضدادِ، يجيءُ بمعنى أَقبَل وبمعنى أَعرَضَ؛ فإذا عُديَ إلى المفعولين بنفسهِ كان بمعنى أَقبل، تقول: وليته سمعي، إذا أَقبلتَ عليه، وإذا عديَ إلى المفعول الثاني بعَن - كما في هذه الآية (عَنْ قِبْلَتِهِمُ) - يكونُ بمعنى أعرض، والضمير المتصل في قوله (َلَّاهُمْ) للمسلمين، أي: ما الذي جعل المسلمين يعرضون عن قبلتهم؟ والاستفهام في قولِهم (مَا وَلَّاهُمْ) استعملوهُ في التعريض بتخطئة المسلمين في توليهم عن (قِبْلَتِهِمُ) والقِبلةُ أصلُها اسم للحالة التي يكون عليها المستقبِل لشيءٍ أو لجهةٍ، فهي مثل الجِلسة والقِعدة، ثم صارت في العرف اسمًا للجهة التي يستقبلها المصلّي، وأضيفت القبلة للمسلمين في قولهِ (قِبْلَتِهِمُ) للدلالة على اختصاصهم بها، فلم يكن المشركون يصلُّون أصْلًا، ولم تكن لهم قبلة، واليهود تعارفوا على التوجه في صلواتهم إلى الصخرة، وليس ذلك في أصلِ دينهم؛ لأن بيت المقدس بناه سليمان عليه السلام بعد موسى عليه السلام، والنصارى توارثوا من كنائسهم القديمة التوجهَ إلى جهة الشرقِ، فاختصاصُ المسلمين بإضافة قبلة بيت المقدس أو الكعبة إليهم؛ لأنهم قبل الهجرة كانوا يصلون إلى الكعبة قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبعد الهجرة أُمروا بالتوجه إلى بيت المقدس، فهي قبلتهم، وتحويلهم بعد الهجرة إلى الكعبة رجوعٌ إلى الأصل، فهي قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقبلة الأنبياء جميعًا.

(قُلْ لِلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) ليس المراد بالشرق والغرب فقط الجهتين المتعارف عليهما بين الناس، بل المراد الجهات كلها لله، فهي في ملكه وسلطانه، وليس لجهة دون أخرى خاصية ذاتية، لا تجعل غيرها تقوم مقامها، فالمعتبر في تفضيل الجهات والأمكنة هو امتثال الأمر، لا ذات المكان (يَهدِي مَن يَشاء إِلى صِراطٍ مُستقِيمٍ) الصراط المستقيم ما يوجه سبحانه إليه عباده، مما تقتضيه الحكمة ويحقق لهم المصلحة، سواء فيما يتعلق بالتوجه في الصلاة إلى هذه الجهة أو تلك.

والكاف في قوله: (وَكَذَلِكَ) للتشبيه، والإشارة بذلك إلى ما تقدم، أي: كما هداكم إلى الصراط المستقيم في القبلة - بتوجهكم إلى الكعبة وهي أفضل الجهات - جعلكم أمة وسطًا، خيارًا بين الأمم، ويصح أن تجعل الكاف في (وَكَذَلِكَ) للتفخيم والتهويل؛ لما يعقبها من التفصيل بعد الإبهام[2].

والوسَط اسم جرى مجرى الوصف، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وأصل الوسَط المكان الذي يقع على مسافة واحدة من جميع جوانبه، ثم استعير للخصال المحمودة؛ لوقوعها وسطًا بين الإفراط والتفريط، كالجود وسط بين البخل والإسراف، والشجاعة وسط بين التهور والجبن، والإنصاف وسط بين التعصب والبغض، والعدالة وسط بين الرحمة والقسوة، وهذه الأمة وسط بهذا المعنى، قال تعالى: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي: عدلًا خيارًا،  فهي وسط بين النصارى الغالِين، الذين ألَّهُوا المسيح، وبين اليهود الجافِين، الذين حرّفوا كتابهم، وقتلوا أنبياءهم.

ويطلق الوسط على مَن اتصف بالخصال الحميدة في مقام النّسب، نسب الإنسان في قومه أو قبيلته، وفي مقام الشهادة على الغير، كما هنا، وكما في قوله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ)([3])، فالوسطُ في الشهادة غاية العدالة، كأنه ميزانٌ لا يميلُ مع أحدٍ، وليس الوسطُ دائمًا الأفضل في كلّ شيء، فقد يكونُ الوسطُ مِن الرديءِ، ومنه في المثل: (أَخُو الدُّونِ الوَسط).

 



[1] البخاري:40، ومسلم:818.

[2] وهي كالكاف في قوله عز وجل: (كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ)، فهي تفيد تهويل الأمر من استمرار الحال التي هم عليها، ولو كانت الكاف فيها للتشبيه لما احتيج إلى إعادة (مثل قولهم)، وعليه حمل قول أبي تمام:

كذا فليجلَّ الخطبُ وليفدحِ الأمرُ        فليسَ لعين لم يفضْ ماؤها عذرُ

لأنه أتى به في صدر القصيدة، لم يسبق له ما يشبه به، فموضع (كذا) في البيت التفخيم والتهويل، واستمرار الحال على ذلك.    

[3]) القلم: 28.

2017-07-10 تاريخ الإضافة: 0 98 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 76- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (76).

 

(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة:140 141].

 (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ) أم على قراءة (تَقُولُونَ) عاطفة على قوله: (أَتُحَاجُّونَنَا)، وهي أم المعادلة للهمزة في (أَتحاجُّونَنا فِي اللهِ)، بمعنى: أيُّ الأمرين تأتون يا أهل الكتاب فهو منكرٌ قبيحٌ منكم! سواء المحاجة والمجادلة في الله بالاعتراض عليه في اختيار أنبيائه، أو بادعاء اليهودية أو النصرانية على إبراهيم والأنبياء الذين هم تبع له، من أبنائه وأحفاده؛ إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.

وعلى قراءةِ (يَقُولُونَ) تكون أم منقطعة للإضراب، وهمزة الاستفهام للإنكار والتوبيخ على قولهم بأن هؤلاء الأنبياء كانوا هودًا أو نصارى.

وَالْأَسْبَاطَ تقدم معناه.

(قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ) الاستفهام تقريري، والمعنى مع ما قبله: قل لهم يا محمد كيفَ تتجرؤون وتنسبون إبراهيم عليه الصلاة والسلام لليهودية والنصرانية، بعد أن أخبر الله تبارك وتعالى عنه بقوله: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)([1])، فهل أنتم أعلم أم الله الذي نفى الأمرين عنه؟ وكيف يصح أن يكون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا وأنتم تعلمون (وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)([2])، فهل يُعقل أن يكون  إبراهيم من أتباع التوراة كما تزعمون، والتوراة لم تنزل في زمنه بعد.

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ) الاستفهام في قوله: (ومَن أَظلَمُ) إنكاري بمعنى النفي، معطوف على قولهِ: (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ)، والمعنى: وقل لهم: لا أحد أظلمُ ممن كتم شهادة عنده من الله، وهو إنكارٌ وتقريعٌ للأحبار والرهبان من أهل الكتاب، كانوا يكتمون ما علموه من كتبهم ويحرفونه، ويشترون به ثمنًا قليلًا، وصفهم الله في هذه الآية بأنّ ظلمَهم أشدّ مِن ظلمِ غيرِهم، وفي حكمهم كلّ مَن علم علمًا من علماء المسلمينَ وكتَمَه، وترك المناصحةَ للأمةِ وولاةِ أمرِها، ورضيَ بأعمالهم الفاسدة في سياسة الدينِ والدنيا، فقد جاءَ عن ابن عباس رضي الله عنه: (إنّ كلَّ ما ذمَّ الله عليه أهل الكتابِ فالمسلمونَ محذَّرون مِن مثله)، وذلك لما في سكوتِ العلماءِ عن الباطلِ مِن الفسادِ وضياعِ الدينِ، هذا فيمن سكتَ عن البيان وقت الحاجة، فكيف بمن  كتمَ الحقّ حين تكلّم، وحرفَ الكلم عن مواضعِه، وزينَ لحكام السوءِ أعمالهم، حتّى شرعُوا بفتاواهم هذه الأيام للحكام وأجهزتهم الأمنية، الوشايةَ بكل صاحبِ قضية، فضلًا عن علماء آخرين لم يكونوا في ركابهم، بإدراجِهم في قوائم (إرهاب) كيدية، تُلاقي استحسانَ مَن لا يريدون للشعوب المقهورة أن تتحرر . قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)[3]، وكان يَسعُ أصحابَ هذه الفتاوى السكوتُ، عندَ الخوف على أنفسهم مِن بيانِ الحقّ، وإنْ أفقدَهم بعضَ الحظوةِ لدَى الحكامِ.

ومِن في قوله: (عِنْدَهُ مِنَ اللهِ) مِن ابتدائية، والظرفان عِندهُ ومِن اللهِ متعلقان بشهادة، أي: لا أحد أظلم - سواء من هذه الأمة أو من أهل الكتاب - ممن كتم شهادةً متحققةً عنده، أنها أتتْ من الله لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بالحنيفية، والبراءة من اليهودية والنصرانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، فتكون النتيجة أنه: لا أحد أظلم من اليهود؛ لأنهم هم الذين كتموا شهادة الله في التوراة بنبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ونسبوا إبراهيم عليه الصلاة والسلام لليهودية زورًا (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعيدٌ لأهل الكتابِ عن سوءِ أعمالهم، وكتمهم الشهادة، وفي حكمهم كل مَن كتم شهادة كان عليه تبليغها.

(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) هذه الآيةُ تقدمت، وكررتْ ثانية ترسيخًا للمعنى الذي دلتْ عليه؛ لأنه معنى لم يتعودوا سماعه، مبالغةً في التحذير مما أَلِفُوه واستحكَم في طباعِهم، مِن الافتخارِ بالآباءِ، والاتكالِ على أعمالِهم، مع تفريطِ الأبناءِ.

 



[1]) آل عمران: 67.

[2]) آل عمران: 65.

[3] البقرة:174.

2017-07-04 تاريخ الإضافة: 0 97 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 75- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (75).

 

(فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) [البقرة:137 139]

 

 (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) فإن آمن أهل الكتاب إيمانا مماثلا لإيمانكم، قائمًا على توحيد الله، والإيمانِ بجميع كتبه وأنبيائه، فقد اهتدوا[1].

ومجيءُ (إنْ) في قوله: (فإن آمنوا) الدّالة على الشكّ - بدل إِذا الدالة على الرجحان - يشعر باستبعاد إيمانهم، وأنّه غير مرجو (فَقَدِ اهْتَدَوْا) باتّباعهم الذي آمنتُم به (وَإِنْ تَوَلَّوْا) وأعرضوا عن الإيمان بالذي آمنتم به (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) فقد تبين لكم حصرًا وقصرًا - بعد ما أبديتموه لهم من الإنصاف - أنهم لا يريدون الحق، وإنما يريدونَ الخلافَ ويبغونه، والشقاقُ شدة العداوة، واشتقاقه إمّا من الشَّق بمعنى التمزيق والصدع، أو من الشِّق بمعنى الجانب؛ لأنّ المخالفَ يكون في شقٍّ غير الشقّ الذي فيه مخالفُه، أو مِن المشقة والشدة، أو مِن قولهم: شقَّ العصا، إذا أظهر العداوةَ، والكلّ مناسب لمعنى العداوة (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) السين مثل سوف، تختصّ كلٌّ منهما بالمضارع، وتحوّله للاستقبال، وتفيدُ تحقق الوعد الواقع بعدهَا، والضميران الكاف والهاء مفعولانِ للفعل يكفي، والخطاب وإن كان للنبي r، فالمراد هو وأمتُه؛ لأنه r لا يطلبُ شيئا لنفسِهِ، والآية وقعتْ موقعَها في تثبيت النبي r والمؤمنين وتسليتهم، بعد ما علموا ما يريدُه بهم أعداؤهم من الشّقاق، والمعنى: أنتم في منعة مِن الله وفي كفالتهِ، فهو الذي يتولى كفايتكم وحفظكم مِن كيدهم ومكرهم، وفي ذلك بشارة للمؤمنين، ووعدٌ من الله تعالى بعنايته التامة بهم، ووعيدٌ لأعدائهم بقهرهم، وردّ السوءِ والبغي الذي يبيتونه عليهم (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وعد للمؤمنين بأنه سميع لأقوالهم، عليم بإخلاصهم، فيوفيهم أجورهم، وما وعدهم به من النصرة والتأييد، ووعيد لأعدائهم، يسمع ما يبدونه من الكفر، ويعلم ما يخفون من العداوة والبغض، فيُنزل بهم ما يستحقون.

 

 (صِبْغَةَ اللهِ)[2] هداية الله تعالى وإرشاده، وفطرتُه التي فطر الناس عليها، فهداية الإسلام حلية يتحلى بها المسلم، تتخلله ويتشربها، كتشرب الصبغة للمصبوغ، فتتمكن وتصيب كل شيء منه، وبها  يكتمل بَهاؤه، وعقله وخلقه وكل شيءٍ منه (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً) استفهام إنكاري في معنى النفي، فلا صبغة أحسن من صبغة الله (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) عطف على (آمنا) والتقدير: (قولوا آمَنَّا) وقولوا (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) أو الواو للحال، والجملة حاليةٌ من فاعل آمنا، مؤكدة لمدح صبغة الله، تعريضًا بأهل الكتاب، أي: ولا نشرك كشرككم.

  (أَتُحَاجُّونَنَا) استفهام توبيخيّ لأهل الكتاب، والمحاجة في الله المجادلة في شأنه وحكمه، واختياره لأنبيائه، وقد ألزمهم القرآن الحجة بالتنزل معهم على كل مذهب يرضونه في الجدال، حتى تسقطَ كل الشبه التي يزعمونها في اختصاصهم بالنبوة، فقيل لهم: كيف تجادلوننا في شأن ربنا، وتقولون إن نبوته خاصة بكم، فإن كانت النبوة اصطفاء من الله - كما هو المذهب الحق - فلا يتم لكم ما زعمتم؛ لأن الله كما هو ربنا هو ربكم، لا فرق بيننا وبينكم، فما الذي يجعلكم تختصون منه بشيء دوننا؟! وإن كانت النبوة إفاضة، تُستحق بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالفضائل، فلا يتم لكم ما تزعمونه أيضًا؛ لأنه كما أن لكم أعمالًا توصِلكم إليها، فلنا أعمال مثلها توصِلنا، فبطلت كل دعوى للاختصاص.

وأسلوب التنزل في المحاجة مِن أقوى الطرق في إقامةِ الحجة على الخصم، ومنه قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ)([3])، وقوله I: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) ([4]).

 [1] يمكن إجراء فعل آمنوا مجرى اللازم، والباء تكون للملابسة لا للتعدية، أي: فإن أوجدُوا إيمانا مماثلا ومساويًا لإيمانكم، أو للاستعانة والآلة، أي: آمنوا إيمانًا بواسطةِ طريقٍ صحيح؛ كالطريق الذي آمنتم به فقدِ اهتدوا، ويمكن إجراء الفعل مجرى المتعدي، فتكون الباء للتعدية، على معنى: فإن آمنوا بالذي آمنتم به، وتكون (مثل) مقحمةٌ للتأكيد، كما في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) أي: عليه.

[2] صبغة الله بدلٌ من (ملة إبراهيم) ويجوز نصبه على الإغراء، أي: الزموا صبغة الله، أو على المصدر المؤكد لفعلٍ محذوف.

[3]) الزخرف: 81.

[4]) سبأ: 46.

2017-07-02 تاريخ الإضافة: 0 96 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 74- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (74).

 (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:134-136].

 

 (تِلْكَ) الإشارة إلى إبراهيم ومَن ذُكر معه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجميعُهم أمة واحدة، يجمعُهم التوحيد والإسلام (قَدْ خَلَتْ) الخلاءُ أصله الفراغُ، ومعناه فراغُ الزمان منها بالذهابِ والانقضاء، وذهابها وانقضاؤها معلوم، ولكن ذُكر ليرتّب عليه قوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ؛ ليقطعهم عما تعودوهُ من التسنّدِ على الآباءِ والأحسابِ، وقوله: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فيه تقديم المسند في الموضعين (لَهَا) (وَلَكُمْ)، على المسند إليه المبتدأ (مَا كَسَبَتْ) (مَا كَسَبْتُمْ)؛ ليفيدَ القصرَ، وهو من قصر المسند إليهِ على المسند، ومِن قصرِ الصفة وهي (الكسب) على الموصوف صاحبه، كما في قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)([1])، والمعنى: كلّ أحد  مرهون بعمله، مقصور عليه، لا يتعداه إلى غيره، وإن كان ابنه أو أباه، لا يغني والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا، فلا تُثابون بحسنات مَن مضى،  ولا تؤاخَذونَ بسيئاتِهم.

 

(وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا) القائل هم أهل الكتاب، مِن اليهود والنصارى، و(أو) للتنويع، والكلام على التوزيع، أي: كل فريق قال قولا يدعو إلى دينه، ويقللُ من دين غيره، فقالت اليهود كونوا هودًا، وقالت النصارى كونوا نصارى (تَهْتَدُوا) جوابُ الشرط، ومفهوم الشرطِ على زعمهم: لا تحصلُ لكم الهدايةُ إلا أنْ تكونوا هودًا أو نصارَى (قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) قل لهم الحقيقة، التي لا يريدون سماعها؛ أنه لا يهودية ولا نصرانية، بل ملة إبراهيم، وتقدم آنفًا الكلام على الملة، و(حَنِيفًا) على وزنِ فعيل بمعنى فاعل، من الحنف وهوَ الميلُ في الرِّجل، وهي هنا الميل عنِ الدين الباطل، فقد كان الناس في جاهليةٍ عمياء، فجاء دين إبراهيم عليه السلام مائلًا عنهم، تاركًا لهم، فلُقب بالحنيفِ، ثم صارت الحنيفية عَلَما بالغلبةِ على دين الإسلامِ[2].

 (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ما كان إبراهيم مشركا، والجملة حال ثانية من إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيها تعريض بهم، واحتراس؛ حتى لا يتوهم المشركون بعد نفي اليهودية والنصرانية عن إبراهيم عليه السلام أنّه على دينِهم، حيث كانوا يدّعونَ أن أتباعَه قد وضعوا له صورةً في الكعبةِ، يستقسمونَ بالأزلامِ، فكذبَهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأَ الآيةَ يوم فتحِ مكةَ، وقال: (وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ)([3]).

 

(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا) (قُولُوا) خطاب لهذه الأمة، بدليل قوله: (وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) من القرآن، وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط عليهم السلام، والمنزل عليهم هي الصحفُ المنزلةُ على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكن لمّا كان مَن ذكر من الأنبياء متعبّدين بها، كانت في حكم المنزَّلةِ عليهم جميعًا، (وَالْأَسْبَاطِ) جمع سِبْط، كحِمْل وأَحمال: أولادُ الأولادِ الأحفاد، والواحد حافدٌ وحفيدٌ، هم أحفادُ إبراهيم وأبناءُ يعقوب عليهما السلام، كانوا اثني عشر ابنًا، يوسف وإخوته، كما أخبر القرآنُ عنهم في رؤيا يوسف عليه السلام: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)([4])، كلّهم كانوا أنبياء، ويوسفُ كان رسولا، ومِن الأسباطِ تشعبتْ قبائلُ بني إسرائيل (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) عطف على الإيمان بالله، والإيمانُ أيضًا واجبٌ بما أوتي موسى عليه الصلاة والسلام وهو التوراة، وعيسى عليه الصلاة والسلام وهو الإنجيل، فالمسلمون يؤمنون بجميعِ الأنبياء، مَن ذُكر ومَن لم يُذكر، ويؤمنونَ بجميع الكتب التي أنزلها الله تعالى عليهم، وأفردَ ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام بالذكر، مع دخولِهما في عموم ما أنزل على النبيئين؛ لِمَا اشتملا عليه مِن الأحكام الكثيرة، ولوقوعِ التبشير في التوراة والإنجيل بنبينا صلى الله عليه وسلم، ولِذا أعيدَ العامل معهما بلفظِ الإيتاءِ، وهو أبلغ من الإنزال؛ لما في الإيتاء من معنى الإعطاء، الذي هو أشبه بالتمليك والتفويض.

(لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) (بينَ) ظرف تقتضِي شيئينِ فأكثرَ، فالتقديرُ لا نفرقُ بين أحدٍ وبين آخر مِن رسله[5]، فالمسلمون لا يفرقون بين أحدٍ مِن رسلِ الله، ولا يقولون كما قالت اليهود: (نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ)([6]) (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) جملةٌ حالية، في معنى التأكيد لما قبلها.



[1]) الكافرون: 6.

[2])  حَنِيفًا يصح أن يكون حالًا من المضاف (مِلَّةَ)، على تأويله بالدينِ؛ ليحصلَ التطابق بين الحالِ وصاحبها في التذكيرِ، كما أُوّلت الرحمة بالإحسان في قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)، ليحصل التطابق بين المبتدأ والخبر، ويصحُّ أن تكون حالٌا من المضاف إليه: إِبْرَاهِيمَ، وهو سائغ، إذا كان المضاف إليه جزءًا من المضاف؛ كما في قوله عزّ وجلّ: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إخوانا)، أو شبه جزء كما هنا في (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا).

[3]) المائدة: 3.

[4]) يوسف: 4.

[5] أَحَد همزتُه أصلية، يستعمل مع النفيِ كما هنا، وكما في قوله عزّ وجلّ: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ)، ويستعمل في الإثبات مع كلّ كثيرا، وأحيانًا بدونِها، كما في قوله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ) فيفيد العموم، ويساوي في عمومه كلمة إنسان، يصلح لكل مخاطب، ويستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، فهو في معنى الجماعة، وهو غير الأحد في قوله سبحانه وتعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، همزته منقلبة عن واو، من الوحدة بمعنى الفرد الذي لا يحتمل التعدد، لمنافاته لوضعه.

[6]) النساء: 150.

2017-06-15 تاريخ الإضافة: 0 95 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 73- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (73).

 

(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:130 – 133].

 

 (وَمَن يَرْغَبُ) مَنْ للاستفهام الإنكاريّ، في معنى النفي، بدليل وقوعِ الاستثناء بعده، وقد يفيد مجرد استبعاد الوقوع، ويَرْغَبُ مِن الرغبةِ بمعنى المحبةِ، الأصلُ تعديه بـ(في)، وعُدّي بـ(عَن) لتضمنه معنى يبعد، والملةُ الدِّين، و(مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)[1] السفهُ الجهلُ وخفةُ العقل، بالإعراض عما فيه نفع محققٌ للنفس، والمعنى: لا يرغب ويعرض عن الحنيفية دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام دين الإسلام، إلّا جاهلٌ غبيّ، أضرّ بنفسه، وقبِلَ أن يذلّها، ويستهين بما نفعُه محقق لها.

 

(وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) لام الابتداء، واقعةٌ في جواب قسم محذوف (اصْطَفَيْنَاهُ) اخترناه مِن الصّفوِ، وهو خيارُ الشيء، وهذا كالدليل على سفه المعْرِض عن ملّته، فإنّ مَن كان مُخْتارًا من ربه، مشهودًا له بالخيرِية في الدنيا، وبالصلاحِ في الآخرة؛ لا يعرِضُ عن دعوته ويخالفُه إلّا مَن كان جاهلًا، مستهينًا بنفسهِ، معْرِضا عن النظر فيما ينفعُه.

 

(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) إِذْ ظرفُ زمان لـ(اصْطَفَيْنَاهُ) أي: دليل اصطفائه عُلمَ وقتَ أنْ خاطبَه ربه بقوله: (أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ووقتَ أن أظهرَ الله تعالى ما أرادَه من صلاحِهِ في الآخرةِ.

 ووقوع (قال أسلمت) جوابا لـ(أسْلم) مشعر بمبادرته للانقياد حين سماعِ الخطاب، دون ترددٍ ولا تأخير، وقال: (لرب العالمين) ولم يقل: لَكَ؛ ليبرهن على صحة الدِّين الذي انقادَ إليه، ويشعر أنهُ من عند رب العالمين، الذي يصلح أمر العالمِ كله، ويتولّى حفظه ورعايتَه وتدبيره.

(وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ) (وَصَّى) مِن الوصية، وأصلها الوصلُ، يقال: وصاهُ إذا وَصَلَه، وفَصاهُ إذا فَصلَه، ضدّ، والوصيةُ في العرف: التقدمُ إلى الغير بما فيه نفع وصلاح، مما يخافُ فواته (بِهَا) الضمير يعود على الملة، و(يَعْقُوبُ) مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: ويعقوب وصّى بها بنيه، وأبناء إبراهيم أربعة؛ أكبرهم إسماعيل، وأمّه هاجر، وثانيهم إسحاق، وأمه سارة، ومن أبناء إسحاق يعقوب ولقبه إسرائيل، وهو جدّ بني إسرائيل، وأبناؤه اثنا عشر فرعًا، هم الأسباطُ، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في  العرب.

قال كلٌّ مِن إبراهيم ويعقوبَ لبنيه: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) اختار لكم الدين الكامل دين الإسلام، الذي هو دينُ الأنبياء جميعا، واختصكم به، فاللام في (لَكُمُ) للاختصاص (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) لا تكونوا على خلافِ تلك الحالِ، مِن دين الإسلامِ في جميعِ الأوقات، حتى تأمَنوا الموتَ عليه؛ لأنه لا أحد يعلم متى يموتُ، فالنهي في الآية معناهُ الأمرُ بالثبات على الإسلام في كلّ وقتٍ.

 

(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) (أَمْ كُنتُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، وأمْ منقطعة للإضراب بمعنى بل، أي: ما كنتم حاضرين يعقوب حين حضره الموت، ولا تعرفون ما وصّى به، حيث وصى بخلاف ما تدَّعُون، فلِمَ تدَّعون ما ليس لكم به علم، وما هو خلاف حاله.

ويجوز أن تكون (أَمْ) متصلة، عطفًا على مقدر، أي: أكنتم غائبين أم شهداء، ومعلوم أنكم لم تكونوا شهداء، بل كُنتُمْ غائبين، وما دمتم غائبين، فلِمَ تقولون ما ليس لكم به علم؟ والـ(شُهَدَاءَ) جمع شهيد بمعنى الشاهد.   

والخطابُ إمّا ردّ على اليهود، الذين زعموا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يهوديا، ويعقوب وصّى بنيه باليهودية، فذكَّرهم القرآنُ بوصيته لبنيه بالثبات على الإسلام، وإمّا خطاب للمسلمين، يقول لهم: ما كُنتُمْ شاهدين لوصية يعقوب لبنيه، ولكن علمتم ذلك من الوحي والقرآن، تثبيتًا لهم بإظهار المعجزة بإخبار القرآن عنه (إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) إِذ قال لِبنِيهِ بدلٌ مِن إِذْ حَضَرَ (مَا تَعْبُدُونَ) استفهام تقريري[2]، أي: أيَّ شيء تعبدون من بعدي؟ أراد بالسؤال أن يقررهم على التوحيد والإسلام، وأخذَ ميثاقَهم على الثباتِ عليه.

(مِنْ بَعْدِي) من ابتدائية، تفيد التأكيد، أي: ما الذي تعبدونَه بدايةً مِن أولِ وقتٍ أفارقكم فيه (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا) (إِبْرَاهِيمَ) عطف بيانٍ على (آبَائِكَ) وقال: (وَإِلَهَ آبَائِكَ) بالإضافة دونَ لفظ الجلالة الله؛ ليفيد أنهم مقتدون بأسلافِهم في عبادة الإلهِ، الذي علمُوا مِن آبائهم صفاتِه وكمالاتِه، وتكرّر لفظُ إله مرتين؛ لأنه لا يعطف في الفصيح على الضمير المجرورِ بدون إعادة الجار، و(إِلَهًا وَاحِدًا) بدل اشتمال مِن (وَإِلَهَ آبَائِكَ) فإن النكرةَ الموصوفة تبدلُ من المعرفةِ، كما في قوله تعالى: (لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ)([3])، أو حال من (وَإِلَهَ آبَائِكَ)؛ لما اشتملت عليه الحال من الصفة الزائدة في قوله: (وَاحِدًا)، وفائدتُه التصريح بالتوحيدِ، ودفع توهم التعدد من التكريرِ، والمعنى: نعبد إله الأنبياء آبائنا، المتفق على ألوهيته ووجُوب عبادتِه وكمالِ صفاته، وعَدَّ إسماعيل عليه السلام من آبائهِ من باب التغليب، أو لأنّ العمَّ بمنزلةِ الأب، ففي الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (عمُّ الرجلِ صِنوُ أَبيهِ)([4]).

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عمه العباس رضي الله عنه: (احْفَظَونِي فِي الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ بَقِيَّةُ آبَائِي)([5])، أي: مَن بقي منهم، (وَإِسْحَاقَ) هو الابن الثاني لإبراهيم، وليس هو الذبيح، بل الذبيح إسماعيل الابنُ الأكبر، وكان إسماعيل وحيدًا لأبيه حين أُمر إبراهيمُ بذبحهِ؛ ليعظم الخطب بالابتلاءِ، وتعظم الكرامة بالامتثالِ، ومن الغريبِ أن اليهود يقولون إن الذبيح إسحاق، مع أن التوراةَ تصف الذبيحَ بأنه الولدُ الوحيد، ولم يكن إسحاق حين وُلد وحيدًا؛ لأنه أصغرُ من إسماعيل بالاتفاق (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) الجملة حاليةٌ مِن معمولِ نعبدُ، أو معطوفة على نعبدُ؛ لإفادة معنى زائدٍ عليها، فالفعلية أفادت الاستمرارَ والتجددَ للعبادة، والإسمية أفادت ثبوت الوصف بالإسلامِ ودوامَه.

 



[1] (مَن) بدل من ضمير فاعل يرغب، و(نفسَه) مفعول (سَفِهَ) على أنه متعدٍّ، أو نصب على التمييز المحول عن الفاعلِ، من سفِهتْ نفسُه اللازم، أو عن نائب الفاعلِ مِن سفهَت نفسُه كغبن رأيُه، ومجيء التمييز معرفة غير ممتنع، لكنه قليل.

[2] (ما) يسأل بها عن شيء مبهم لم يُعرف، فإذا ما عرف وكان عاقلا، سُئل عن تعيينه بـ(مَن) وعن وصفِه بـ(ما)، فيقال: ما زيدٌ، أكريمٌ أم بخيل؟

[3]) العلق: 15، 16.

[4]) مسلم: 983. صِنوُ مفردُ صِنوان: النخلتانِ مِن عرقٍ واحد.

[5]) المصنف في الأحاديث والآثار: 32212، وهو ضعيف.

2017-05-31 تاريخ الإضافة: 0 94 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 72- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (72).

 

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[البقرة: 127 – 130].

 

(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ) حكاية بصيغة المضارعِ الدالِّ على الحاضرِ، لِمَا وقعَ في الماضي مِن البناء والرفعِ للبيت؛ لأنّ (إذْ) ظرفٌ يليهِ دائمًا الماضي، قال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ)([1]) وإذا وقعَ بعدها المضارعُ فإنّها تخلّصُ معناه للمضيّ، ويكون التعبير بالمضارعِ بعدَها لاستحضارِ الماضي في الذّهنِ، حتى كأنهُ مشاهَد؛ ليكونَ وقعُه أبلغ، ويَرفعُ من الرفعِ، وهو هنا لِما يوضعُ فوق القواعد من البناء،  فإنه هو الذي يرفع، وليس الرفع لذات القواعد، أو يكون الرفع للقواعد مِن رِفع المكانة وإظهار الشرفِ، بتعظيمِه ودعوة الناس إليه، لا مِن الرّفعِ الحسّي (الْقَوَاعِدَ) جمع قاعدة، الهاء فيه للمبالغة، مثل علَّامة ونسَّابة، والقواعدُ: أساسٌ يلي الأرضَ لشيءٍ يوضعُ فوقه، أصله من القعودِ، بمعنى الثباتِ واللصوقِ بالأرضِ، وجاء التعبير بالرفع دون الإطالة؛ لِما فيه من ذكر الرفعة والتشريفِ (مِنَ الْبَيْتِ) (مِن) ابتدائية، حالٌ من القواعد، وأُبهمت القواعدُ أولًا ثم بُينت بأنّها من البيتِ؛ لأن البيانَ بعد الإبهام أبلغُ من البيانِ ابتداءً، لتشوّق النفس إليه، وشرفتِ القواعد بنسبتها إلى البيتِ (وَإِسْمَاعِيلُ) عطفٌ على إبراهيمَ عليهما السلام، والفصل بين المعطوفِ والمعطوف عليه بمتعلقات الفعل - وهي المفعول والظرف - للدلالة على التفاوت بين رفعهما للبيت، فالرافع على الحقيقة إبراهيمُ عليه السلام، وإسماعيل عليه السلام مناولٌ ومعاون، وهو ما يشيرُ إليهِ الفصلُ بينَ المعطوفينِ، وهذا أولَى مِن جعلِ (وَإِسْمَاعِيلُ) مبتدأ، وجملة (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) خبرًا، على معنى أنّ مِن إبراهيم البناء، ومن إسماعيل الدعاء؛ لأن الدعاء عند البيت كان مِن إبراهيم عليه السلام، وأما إسماعيل عليه السلام فكانَ حديثَ السنّ.

وإسماعيل عليه الصلاة والسلام هو ابن إبراهيم من هاجر، جاريته القبطية، جاءهُ على كبَر، وكان حينها ابنه الوحيد، أمره الله سبحانه وتعالى في المنامِ بذبحه، ورؤيا الأنبياءِ مِن الوحي، فلما أسلمَه للذبح، فداهُ ربُّه بذبْحٍ عظيم، وكانت سُنة التقربِ بالأضاحي من بعدهِ، وقوله: (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) كالتعليل لـ(تَقَبَّلْ مِنَّا) وتعريف جزئي الجملة، وكذلك الإتيان بضمير الفصل، كلّ منهما يفيدُ قصرَ الصفتين على الله تعالى، فكأنّ سمعَ ما سواه لا يعدُّ سمعًا.  

 

 (ربَّنَا) هذا نداءٌ مقصود منه الدعاء، تقدم مثله منها، وهو هنا بالثباتِ على الإسلام والهداية، وتكرير (رَبَّنَا) لإظهار الضراعة والتذلل لله سبحانه وتعالى (مُسْلِمَينِ) مِن أسلمَ وجهَه إذا أخلَص، أو مِن أسلَم بمعنى استسلمَ وانقادَ، والمراد الثباتُ على الإسلام، ودوامُ الانقياد لله سبحانه وتعالى، والزيادة على ما هما عليه؛ لأن الله قد جعلهما مسلمَينِ قبل ذلك، كما دل عليه قوله: (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)([2])  (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا) مِنْ يصح أن تكون للتبعيضِ، على معنى: واجعلْ مِن بعضِ ذريّتنا أمةً منقادةً مخلصةً لك؛ دَعا بذلكَ لأنه نبيّ، يعلمُ أنّ في ذريته ظَلمةً، فسألَ الله تعالى الممكن عادة، وهذا مِن أدبِ الدعاء، وخصّ الذرية بالدعاءِ دون سائرِ الناس؛ لأنه إذا صلحتِ الذريةُ تكونُ سببًا في صلاحِ غيرها، ولأنهم - بعد النفسِ - أولى الناس بالمعروف.

ويصحُّ أن تكون (مِنْ) بيانية، قُدمت على المبيّن، والتقدير: ومِن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذرية مسلمة لك؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)([3])، أي: ومثلهنّ مِن الأرض.

 

 (أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)[4] الأُمّة الجماعةُ العظيمة، التي يجمعها جامعٌ مِن دينٍ أو نسبٍ، كأمّة الإسلامِ وأمة العرب، فإبراهيم عليه السلام مع قومه أمّةٌ، وقد استجابَ الله له في ذريته، وأسلمتْ معظم قبائل العربِ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

 (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (أرِنا) مِن رأى، بمعنى عرف وأبصرَ (مناسكَنا) جَمعُ مَنْسَكٍ، اسمُ مكانٍ، أي: عرِّفْنا أماكن التعبُّد، وخصَّ لفظُ المناسكِ بالحجّ لِما فيه مِن الكلفةِ، والبعدِ عن العادة، وفعلُه نَسَكَ كنصَرَ، بمعنى تعبّد غاية التعبد، أَو مِن نَسُكَ - كشرُف - نَسَاكَةً، بِمعنَى ذَبَحَ تَقرُّبًا، ولذا تسمى الذبيحة نَسِيكة، والمذابحُ مناسكَ (وتُبْ عَليْنَا) التوبة تكونُ من ذنبٍ، والأنبياءُ معصومون، فهو إمّا مِن بابِ هضمِ النفسِ، أو المراد بهِ التوبةُ على الذرية والعقِب (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تعليلٌ للدعاءِ بطلب التوبة، فإنّك أهلٌ لذلكَ.

 

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) طلبا في دعائهما أن يرسلَ الله في الأمةِ رسولًا منهم، فاستجاب الله تعالى دعوتهما ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فلم يبعث من ذريتِهما رسولًا غيرَه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (أنا دعوة أبي إبراهيم - أي: أثر دعوته - وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نورٌ، أضاءت له قصور بُصرى مِن أرضِ الشام)([5])، وقال (فِيهِم) دون (لهم) لِما في (لهم) من الاختصاص، بالإرسال إليهم دون غيرهم، وأراد أن تكونَ رسالته عامةً للعالمين (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) الآيات جمع آيةٍ، تُطلق على الآيةِ من القرآن، وهي المراد هنا، بقرينة (يتلو عليهم)، وتُطلق على المعجزة المحسوسة الخارقة للعادة، وكلاهما حجةٌ؛ لدلالتهما على صدق النبي صلى الله عليه وسلم (يتلو) يقرأ عليهم القرآن، ويذكرهم به، وجيء بالمضارع (يَتْلُو) للدلالة على تكرر تلاوتِه في كلِّ وقتٍ، (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) ويعلمهم الوحيَ الذي أنزل إليهم من الكتابِ، ويعلمهم (الْحِكْمَةَ) السنةَ والفقه في الدين، ودقائق الشريعة المبينة للكتاب (وَيُزَكِّيهِمْ) يطهرُهم مِن الشركِ والنقائصِ، ويرفع قدرهم بالإسلام (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) الذي لا يُغلب (الْحَكِيمُ) المحكِم لكل أمرٍ يريدُه.

 



[1]) المدثر: 33.

[2]) البقرة: 131.

[3]) الطلاق: 12.

[4]) الأُمّة مِن الأَمِّ بمعنى القصد؛ لأنّ أفرادها ومكوناتها تتجمع، ويقصد بعضها إلى بعض، ووزنها فُعْلَة كقُدرَة، بمعنَى المفعول؛ لأنها مأمومةٌ ومقصودةٌ.

[5]) مستدرك الحاكم: 2/600.

2017-05-12 تاريخ الإضافة: 0 93 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 71- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (71).

 

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [البقرة:125 – 126].

 

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ) البيت: الكعبة المشرفة، وقد عُرفَت بالبيت من عهد الجاهلية، وأصلُ (أل) في البيت للجنس، وصارَ علمًا على الكعبة بالغلبة؛ كالنجم للثريا، والكتاب للقرآن، وبذلك تصير لامُه للعهد، أي البيت المعهود.

 

 (مَثَابَةً) المثابةُ: المرجعُ، والمكانُ الذي يرجعُ إليه الناسُ المرةَ بعد المرةِ، ويقصدونه بالتعظيمِ، ويلوذونَ به.

واللام في الناس للجنس، فلا يلزم منها رجوع كل أحد زاره بعينه، بل جنس من أتاه في مجموعهم، لا جميعهم يرجع إليه، فيصدق على الواحد منهم وعلى أمثاله.

(وأمْنًا) الأمنُ: حفظ الناس في دينهم وأبدانهم وأموالهم وأعراضهم مما يضرُّ بهم ويخيفُهم، وأدواتُه كثيرةٌ ومتنوعةٌ في المجتمعات المتمدنة، وفي كلِّ مجتمع بحسبه؛ فكفّ الظلمةِ والأخذ على أيديهم والانتصاف منهم وردّ المظالم أمْنٌ، وتمهيدُ السّبلِ وإنارةُ الطرقِ، ومراقبة الأسعار والسلع، وحراسةُ الحدود، وتوفير الغذاء والدواء، وإقامة العدلِ أمْنٌ، والعملُ على استقرارِ البلد، وحفظُ المالِ العام مِن السرقةِ والنهب، وحسنُ اختيارِ مَن يتولى أمرَ الناسِ، وتكثيرُ سوادِ أهلِ الحق، والإنكارُ على الظلمةِ وقطاع الطرق، والتخلصُ مِن العصبيةِ القبلية والجهوية ودعوى الجاهلية أمنٌ، والأمنُ في الآية مصدرٌ أُخبر به عن البيت؛ مبالغةً، حتى جعل كأنّ البيت هو الأمنُ نفسه، على معنى أنه سببٌ ضامنٌ للأمن، وهو إِخبَارٌ مِن اللهِ تعالى عَن تَعظيمِ حُرمَتهِ فِي الجاهِليَّةِ، نِعمةً منهُ عليهم، وعلى مَن بعدَهم، إذ لم يكن للناسِ في الجاهلية شريعةٌ ولا قانونٌ يردعُهم، وكان الحكمُ للقوة، فامتَنّ اللهُ عليهم بالبيتِ، وجعله أمْنًا؛ ينكفّ فيه القويّ، ويأمنُ فيه الضعيف؛ كما قال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)  ([1])، والآية: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا) خبريةٌ لفظًا طلبيةٌ معنًى، أي: اجعلوه ملاذًا للخائفِ، وأمّنُوا فيه الناس، على حدِّ قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)([2]) (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ)([3])، فلا تعارض بينها وبين ما وقع مِن فزع الناسِ في الحرمِ مراتٍ عديدة، على مَرِّ التاريخِ، حتى إنّ الناسَ حُوصِروا وأُرهِبوا داخله لعدةِ أيامٍ في السنين الأخيرة؛ لأنّ ذلك من التعدي على الحرم، المخالف لأمر الله بتأمين مَن التجأَ إليه، فهو من نوع ما حذّر الله منه في قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)([4]).   

 

(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قرأها نافعٌ وابنُ عامر بفتح الخاءِ، على أنه فعلٌ ماضٍ، عطفًا على جعلْنا، خطابٌ لمَن قبلنَا، أو لنَا معهم أيضًا، على أنّ الجملة خبريةٌ لفظًا طلبيةٌ معنًى، وقراءةُ الجمهور بكسرِ الخاء، أمرٌ على إضمارِ القول، أي: وقلنا اتخِذوا مقامَ إبراهيم مصلًّى، فتكونُ خطابًا لنا، و(مِنْ) بيانيةٌ.

والمَقامُ بالفتحِ موضعُ القيامِ، والمراد به الحَجَر الذي به أثرُ قَدميهِ عليه السلام، وكان إذا وطِئه يلينُ ويصير كالطينِ؛ معجزةً له، أو موضعُ الحجرِ الذي به الأثرُ، توسعًا، وذلك حين كان يرفع بناء البيتِ (مُصَلًّى) مكانًا للصلاة، وصحَّ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "وافقتُ ربي في ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله؛ لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأُنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)"([5]).

 

 (وَعَهِدْنَا): العهد أمرٌ بمعنى الوصية، ولذا عُدّي بـ(إلى) (أَنْ طَهِّرَا) (أَنْ) يصحُّ أن تكون مصدرية، وحَذفُ حرف الجرِّ معها قياسي، أي: بتطهير البيت، ويصحُّ أن تكونَ تفسيريةً، وسوَّغ ذلك وجودُ معنَى القولِ في (عهدْنا)، فيصير قوله: (أنْ طَهِّرَا) تفسيرًا لعَهِدْنا.

وتطهيرُ البيتِ تنظيفُه مِن الأوساخ والقاذوراتِ الحسية؛ كالنجاسات، ومِن الأدران المعنوية؛ كالأصنام والفحش، والخصام، وبذيءِ الكلام، ودخول غيرِ المسلم إليه، وعمّا يخلّ بالمروءةِ؛ كالطوافِ بالبيتِ عُرْيًا، كما كان عليه أهل الجاهلية، وذكرتِ الآيةُ أصناف المتعبدينَ بالمسجدِ الحرامِ (لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)؛ فمنهم الطائفُ بالبيت، ومنهم المعتكفُ، ومنهم القائمُ يصلّي راكعًا وساجدًا، ولم يعطف السجود على الركوع في قوله: (الركَّعِ السّجودِ) - كما في باقي أوصافِ المتعبِّدينَ الأخرَى - لتلازُمِ الركوع والسجودِ، فلو عُطفتا لأوهَمَ أنهما مفترقان.

 

 (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) وُصف البلد نفسه بأنه آمنٌ، على وزن فاعل؛ للمبالغة، والمرادُ ذو أمنٍ، فتكونُ صيغةُ فاعل للنسبةِ؛ كما في قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ)([6]) ذاتِ رضا، أو اجعل آمنًا أهله؛ كقولهم: ليلٌ نائمٌ، أي: نائمٌ أهلُه، من المجاز العقلي، على حدّ: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)([7])، لعلاقة المكانية. 

 (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (أهل) اسمُ جنس مضافٌ يَعمّ، و(مَن آمَن) بدلُ بعضٍ مِن كلٍّ مِن قوله: (أهله)، و(مِن) بيانية، والثمَرات جمع ثمَرَة، وهي ما تحملُه الشجرةُ ويؤكل رطبًا، فإذا يبسَ صارَ تمرًا، بالمثناة. 

(قَالَ وَمَنْ كَفَرَ) القائل هو الله سبحانه، وهو على إضمار فعلِ قُل، أي: قال الله له: قُل: وارزق مَن كفرَ أيضًا، ويكون من عطفِ التلقين، المتقدم في قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَتِي)، فإنّ إبراهيم عليه السلام عندما ذكرَ له ربُّه: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) كأنّه استشعر أن الرزق كذلك لا يناله الظالمونَ، فذكر الله له أن الرزقَ مِن متاعِ الدنيا، لا يمتنع طلبُه للكافر، فهو يصيبُ البرّ والفاجرَ، كما قال تعالى: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ)([8])، وهذا على جعل (مَنْ كَفَرَ) مِن عطف التلقين، الذي تقدم في  قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَتِي)، ويجوز أن يكون قول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ كَفَرَ) عطفًا على مقالة إبراهيم عليه السلام: (مَنْ آمَنَ) بلفظِ الخبر، أي: أرزقُ مَن آمَن ومَن كفرَ.

 

(فَأُمَتِّعُهُ) خبر الموصول (مَنْ كَفَرَ)، واقترن الخبر بالفاء لشبه الموصول بالشرط، وقوله: (قَلِيلًا) وصفٌ لمصدر محذوفٍ، قَيد للمتاع في قوله: (فَأُمَتّعُهُ)، أي: أمتعه متاعًا قليلًا، فإنْ قيل: الفاء الواقعة في الجوابِ للسببية، ومعناه أنَّ الموصولَ سببٌ في الجوابِ، والكفر لا يصلحُ سببًا للمتاع، يقال: الكفر ليس سببًا في المتاعِ، وإنّما سببٌ في قِلّته، الذي دلَ عليه (قَليلًا)، أو هو سبب في لحوقِ العذابِ بالكافر، المفهومِ من قوله: (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ).

و(أَضْطَرُّهُ) ألجئُه، مِن اضطَّرَه أوقَعهُ في الضّرورة، وأصلُها أضترّ أفْتَعل، قلبت التاء طاءً، قلبًا صرفيًّا للخفة، والمعنى أنّه سريعًا ما ينقضِي هذا الرزق والمتاعُ، مِن متاعِ الدنيا القليلِ، وفي القيامةِ يجدُ الكافر نفسه مضطرًّا إلى عذابِ النارِ، ليس له منه افتكاكٌ ولا مَناصٌ، كما قال سبحانه وتعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)([9])، (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الواو للحال، وبئسَ مِن أفعال الذمِّ، والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديرُه: هي، أي: وبئسَ المصير للكافرين النار.

 



[1]) العنكبوت: 67.

[2]) البقرة: 228.

[3]) البقرة: 233.

[4]) الحج: 25.

[5]) البخاري: 393.

[6]) الحاقة: 21، والقارعة:7.

[7]) يوسف: 82.

[8]) الإسراء: 20.

[9]) الطور: 13.

 

2017-04-24 تاريخ الإضافة: 0 92 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 70- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (70).

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة:122 – 124].

 

نداء آخر لبني إسرائيل، مماثل للنداءِ المتقدم، يذكرهم بالنعم، والقيام بها، والتخويف من تضييعِها، ويتَوَعّدهم بالقيامة وأهوالها، وما ذكر هناك يوضحُ ما هنا.

 

وتكرير هذه الآية في النداء لبني إسرائيل على نحو ما سبق، من التأكيدِ والمبالغةِ في النصح لهم، ومِن رد الصدر على الورد؛ للانتقالِ من الكلام عن بني إسرائيل ومحاجة أهل الكتاب، إلى فضائل نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومنزلته، وبنائه للكعبة المشرفة، وحِجاج المشركين.

 

(وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ) أصلُ (ابتلى) اختبر، وابتلاء أحدٍ يعني التعرّف على حاله، والوقوفَ على ما يُجهل من أمرِه، ويعني أيضًا تكليفَه؛ لإظهار ما به مِن  فضائل أو نقائص، والمراد هنا المعنى الثاني، وهو التكليف لإظهار الامتثال، لا التعرّف على حاله؛ لأنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية (بِكَلِمَاتٍ) جمع كلمة، وتطلقُ الكلمة على اللفظ الواحد المفرد، وعلى جملة من الكلام، وعلى خطبةٍ كاملةٍ، والمراد بالكلمات التي ابتلي بها إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنواع من تكاليف الأحكام والسنن والآداب، اختصّ الله تعالى بها نبيهُ إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكلفه بها؛ ليُهيأه للرسالة، وعلى رأسِها خصال الفطرة، ومنها أمرُه بذبحِ ابنِه، ومن المفسرين مَن ذكر أنها ثلاثون خصلة؛ عشر في سورة التوبة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)([1])، وعشر في المؤمنون والمعارج: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)([2]) إلى آخر الآيات مع حذف المكرر، وعشر في الأحزاب: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)([3])، ولا دليل على تعيين ما ذهبوا إليه.

(فَأَتَمَّهُنَّ) وَفَّى بها، وأدَّاها على وجهِها، وقام بها خيرَ قيام، كما قال سبحانه وتعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ)([4]).

(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) الإمام مَن يؤتمُّ به، ويعهدُ إليه التقدمُ في القيامِ بأمرِ الشارع، بما في ذلك النبوّة، والقيام بالخلافة والقضاء، وإمامةِ الصلاةِ والإفتاءِ، والشهادةِ، ورواية الحديث، فكل ذلك إمامة؛ لأنه قال إمامًا، ولم يقل نبيًّا، وذلك ليشملَ كلّ مَن يقتدَى به من أصحابِ المناصبِ الشرعية، وقد اتفق أهل العلم على أنه لا تنعقد هذه المناصب الدينية لفاسقٍ؛ لأن شرط توليها العدالة، ولأنّ الله تعالى قال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وإذا تولاها متصفٌ بالعدالة ثم فسق، فقال قومٌ تُسلب ولايته، ولا تجبُ طاعتُه، واختاره بعضُ أهل العلم؛ لقوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، وللمنافاة بين وصفَي الإمامة والظلم، فالجمع بينهما محالٌ، ابتداءً ودوامًا، وقال آخرون الدوامُ ليس كالابتداء، والمنافاة في الابتداءِ لا تقتضي المنافاة في البقاء؛ لأنّ الدفعَ أسهلُ من الرَّفع (قَالَ) إبراهيم عليه السلام (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) مِن للتبعيض، والتقدير: اجعلني إمامًا، واجعل من بعضِ ذرّيتي أئمة.

ويصح جعلُه معطوفًا على جاعلك، أي قال الله: إنّي جاعلك إمامًا، قال إبراهيم ملتَمِسًا: وجاعلٌ من ذريتي إمامًا، وسمّوهُ عطفَ التلقين، والأولى به في هذا المقام وشبهه أن يسمّى عطفَ الالتماس، وذلكَ عندما يضيفُ السامع إلى كلامِ المتكلم ما يتمنى أنْ يشملَه كلامُ المتكلم، كما لو قال أحدٌ: سأكرمُك، فتقول: وزيدًا، ومنه على وجهٍ: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ) عطفًا على (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ومن السنة قول جَرِير بن عَبدِ اللهِ البجلي رضي الله عنه: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسلَامِ، فَشَرطَ عَلَيَّ: (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)([5])، وقول عبد الله بن الزُبير لأعرابيٍّ استجداه فلم يعطِه، فقالَ الأعرابيّ: "لعَن الله ناقةً حملتني إليك، قال ابن الزّبير: إنّ وراكِبَها"([6])، (عَهْدِي) العهدُ التكليفُ بالأمر، وهو فاعلُ ينالُ، والظالمينَ مفعولٌ، على القاعدةِ عندمَا يلي الفعلَ اسمُ ذاتٍ واسمُ معنى، يقدّمُ في الإسنادِ اسم المعنَى على الذاتِ.  

وقول إبراهيم عليه السلام (ذُرِّيَتِي) دون (عقبي) تماشيًا مع فطرة الإسلام، التي لا تفرق بين أبناء الأبناءِ وأبناءِ البنات، خلافًا لمفهومِ الجاهلية، الذي يقولُ قائلها:

بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا

بَنُوهَنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ ([7])

والمخالف لِما وصّى به الإسلامُ، مِن الاستيصاءِ بالنساءِ خيرًا، وتكريمه للبناتِ وللأمهاتِ، والتبعيضُ في قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) مِن التأدبِ في الدعاءِ، لعلمِه أنّ سننَ الله لم تجرِ بأن تكون الذرية المتعاقبة مِن نسل واحدٍ كلّها صالحةٌ، فلم يسألْ ربّه المستحيل.

 

وأجابه الله تبارك وتعالى بأن الإمامةَ لا تكونُ إلا للبررةِ الأتقياءِ الصالحين، وهو ما يتوافقُ مع أدبهِ صلى الله عليه وسلم في الدعاء، بذكرِ التبعيضِ، الدالّ على الاحتراس في الطلب لذريته، والدالّ على أنها تكليفٌ وعهد، لا يحقُّ أن يتولاها الظلمةُ، وأهلُ الفجور والفساد.

والاقتصارُ على وصفِ الفريقِ الذي لا يستحقُّ الإمامةَ - وهم الظلمة - دونَ وصفِ مَن يستحقُّها مِن الصالحين، من بابِ الاكتفاء؛ لأنهمَا ضدَّان، والحكمُ على أحدِ المتقابلينِ يثبتُ نقيضه للآخر، ولِأَنَّ التَّحذيرَ مِن المفاسدِ مقدمٌ على الترغيبِ في المصالحِ، ويلتحقُ بالإمامة في هذا الشرطِ، كلّ المناصب الشرعية، التي مرَّ ذكرها.

 



[1]) التوبة: 112.

[2]) المؤمنون: 2 - 5.

[3]) الأحزاب: 35.

[4]) النجم: 37.

[5]) البخاري: 58.

[6]) تاريخ دمشق لابن عساكر: 28/260.

[7]) نسب جماعة هذا البيت للفرزدق.

2017-04-15 تاريخ الإضافة: 0 91 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 69- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (69).

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:119 - 121].

 (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) أسند الكلام في قوله: (إنَّا أرْسَلناكَ) إلى ضمير الجلالة، دون إنّ الله أرسلك - مثلا - تشريفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى كأنّ الباري يكلمه مشافهة (بِالْحَقِّ) ظرف مستقر، في  موضع الحال، والباء للملابسة: إنَّا  أرسلناك مؤيدًا ومصحوبًا بالحقّ (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)[1] مرغبًا ومرهبًا، حالان من الكاف في أرسلناك (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم) قراءة الجمهور بضم التاء واللام (تُسألُ) خبرٌ، أي: لا تُسألُ ولا تُلامُ عن أعمالِهم إنْ لم يؤمنُوا، فلا تُكلَّف إلّا نفسَك بعدَ أنْ بلَّغتَ، وقراءة فتح التاء وجزم اللام لنافعٍ (تَسألْ) نهيٌ عن السؤال[2]، والنهي عن السؤال عنه للتهويل والتفخيم، حتى كأنّ الوصفَ لا يحيطُ به، والسامع لا يطيقُ سماعَه؛ لفظاظتهِ، فإنّ مِن أغراضِ النهيِ في البلاغة التفخيم، كما في قولِ عائشةَ رضيَ الله عنها عن صلاةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (يصلي أربعًا فلا تسلْ عن حسنِهنّ وطولهنَّ)([3])، وقولك: عن الملوكِ لا تسألْ، والآية تسليةٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلم، وتثبيتٌ له في مواجهةِ إعراضِهم، و(الْجَحِيمُ): المتأجِّجُ من النار.

(وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) الملة هيَ كالدِّينِ والشريعة، قال تعالى: (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) ([4])، وهي ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، مِن أمْلَلْت الكتابَ فهو مملولٌ، ومنه: طريقٌ مَملولٌ، أي: مسلوكٌ معروفٌ، والفرق بين هذه الثلاثة؛ أنّ الملّة لا تُنسب إلى الله، فلا يقال: ملةُ الله، وتنسبُ إلى الأنبياءِ، كمَا في قولِهِ: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، ولا تُنسبُ إلى أفرادِ الأمة، فلا يقال: ملةُ عليٍّ، وتُطلق على ملةِ الباطلِ، فيقال: الكفر ملةٌ واحدةٌ، والدِّينُ ينسب إلى الله، وإلى آحادِ الناس، ويُطلق أيضًا على الحقِّ وعلى الباطلِ.

والشريعةُ اسمٌ للأحكام الجزئية المتعلقةِ بالمعاشِ والمعادِ، سواء كانت منصوصةً بالوحيِ، أو راجعةً إليه، وأُعيدَ حرفُ النفيِ مع العطفِ في قوله: (وَلَا النَّصَارَى) ليدلَّ على استقلالِ عدمِ رضاهُم عنهُ، وعن دينِ المسلمينَ، وأنهم ليسوا فقط تبعًا لليهود.

والآية مبالغةٌ في تيئيس النبيِّ صلى الله عليه وسلم منهم؛ لأنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم - وهو لن يتبع ملتهم - فيكونُ انقيادُهم له مُحالًا، فهو من التعليق على ما لا يحصلُ، كنفيِ دخولِهم الجنةَ حتّى يلجَ الجملُ سمَّ الخِياط.

(قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ) هدى الله الإسلامُ، هو الهدى حقيقةً، فهو الحقّ، لا ما تَدعونَ إليه، فقد جاء الردّ عليهم بأبلغِ وجهٍ، أُكدَ بعددٍ مِن المؤكِّدات؛ وهيَ إنّ، وضمير الفصل، وإضافة الهدى إلى الله، وإعادة الهدى في الخبرِ مرة أخرى، على حدِّ قولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ)([5])، وقول أبي النّجم: أَنا أَبو النَجمِ وَشِعري شِعري، وتعريف طرفي الإسناد، المفيد لقصرِ الهدى على الإسلام، مِن قصرِ الصفة على الموصوف.

(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم) (وَلّئِنِ) اللام موطئة للقسمِ، تأتي قبل أدواتِ الشرط، وتكثر قبل (إنْ) الشرطية، ولسبقِ لامِ القسم على الشرطِ يُجابُ القسمُ بعدَها دون الشرطِ (أَهْوَاءَهُمْ) الأهواء جمع الهوى، وهو: ما تهواه النفوسُ وتشتهيهِ على خلافِ الدليل، ممّا تدعو إليهِ ملّتهم الباطلة، وأتي بالظاهر (أهواءَهمْ) دون الاكتفاء بإعادة الضمير على الملةِ؛ تأكيدًا على مُلازمةِ الهوَى لهم، تنفيرًا مِن اتِّباعهم (بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) مِن الوحي والدين المعلوم صحته (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) إن اتبعت أهواءهم ليس لك مولى ولا نصير، يمنع عنك عاقبة السوء، وتقدم الفرق بين الولي والنصير قريبًا، و(مِن) في: (مِنْ وَلِيٍّ) لتأكيد النفي، وجملة (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ) جواب القسم؛ لأنها لو كانت للشرط لاقترنت بالفاء، والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود كلّ أفراد أمته، كالخطابِ في قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)([6])، والمرادُ من النهي عن اتباع أهوائهم التحذيرُ مِن إطماعِهم في النيلِ من الدين، بمداهنتهم وموافقتهم في باطلِهم، كما يفعلُ بعضُ من يتورطُ معهم فيما يعرف بحوار الأديان، وجيءَ بـ(إنْ) الشرطيةِ، الدالة على ضعفِ احتمالِ وقوع ما بعدَها؛ لأنّ اتباع أهوائِهم الشأنُ فيه أنه احتمالٌ ضعيفٌ في حقّ المؤمنين.

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) الذين آتيناهم الكتاب؛ هم كلّ مَن آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة، ومَن آمن مِن أهل الكتابِ، مثل عبد الله بن سلام من اليهود، وعدي بن حاتم وتميم الداري من النصارى، فحقّ التلاوةِ لكتابِهم وكتاب المسلمين يعمُّهم.

و(الكِتَابَ) المراد به جنس الكتاب المنزل من عند الله، كالقرآن والتوراة والإنجيل، فأَلْ فيه للجنس، و(يَتْلُونَهُ) حال مقدرة من (الّذينَ آتَينَاهُم) أيْ: حالةَ كونِهم الآنَ يتلونَه حقَّ تلاوتِه، وإنْ كانَ منهم من لم يكن مِن قبل يفعلُ ذلك، و(حَقَّ) مفعول مطلق، مضاف إلى مصدر الفعل يتلونه، وهو (تِلاوَتِهِ) مِن إضافة الصفةِ إلى الموصوفِ، فمُؤمِنُو أهلِ الكتاب من اليهود والنصارى، الذين لم يحرِّفوا كتابهم، يتلونَه حقّ تلاوتِهِ، ويتلونَ القرآنَ كذلك حقَّ تلاوته، والمسلمونَ يتلونَ كتابهم القرآنَ حقّ تلاوتِهِ، فالضميرُ في (يتلونَه) وفي (تلاوتِهِ) عائدٌ إلى جنسِ الكتابِ، بالمعنى المتقدمِ.

وحقّ التلاوةِ يتطلبُ الأداءَ السليمَ لحروفهِ، والتدبرَ في معانيه، والعملَ بأحكامِهِ، وبالأوامرِ والنواهِي، وتحليلَ حلالِه وتحريمَ حرامِه، ويتطلبُ عدمَ التحريفِ، والإيمانَ بكلِّ الكتبِ، لا الإيمان ببعضِها والكفرَ ببعضِها (أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) خبر المبتدأ، والإشارة إليه بالبعيد؛ لعلوّ رتبة ما اشتملت عليه أوصافهم من التلاوة الحقّة، وضمير بهِ راجعٌ إلى جنسِ الكتابِ (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) مَن كفرَ به فحرّفه، أو آمن ببعضه وكفر ببعضٍ خسرَ، واستحقّ الخلودَ في النار، ودلّ خُسران مَن كفرَ به على فوزِ مَن آمنَ بكلّ ما أنزلَه الله، وتلاهُ حقّ تلاوتِهِ، ولم يحرِّفهُ، وهوَ مِن الإيجازِ البليغ، بالحذف مِن الأولِ لدلالةِ الثاني عليه.



[1]) بشيرا ونذيرا اسما فاعل بمعنى مبشرا ومنذرا، من بشّر وأنذر الرباعي، مما سُمع فيه فعيل بمعنى اسم الفاعل على غير قياس، كما تقدم في بديع بمعنى مبدع.

[2]) قراءة الجزم على النهي من عطفِ الإنشاء على الخبر، فيقدرُ معطوفٌ عليه محذوف، تقديره: فبشر وأنذرْ ولا تَسألْ.

[3]) البخاري:1147.

[4]) الأنعام: 161.

[5]) البخاري: 1، مسلم: 1907.

[6]) الزمر: 65.

2017-03-31 تاريخ الإضافة: 0 90 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 68- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (68).

 

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [البقرة:116 – 118].

نزلت (وَقَالُوا اتّخذَ اللهُ ولَدًا) لمَّا قال اليهودُ: عزيرٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالوا: الملائكةُ بناتُ الله سبحانه وتعالى.

(سبحانَه) سبحانَ منصوبٌ على المصدر، أُسبِّحه سبحانًا بمعنى أقدّسُه وأنزِّهُه عن النقائصِ، ومنها أن يكونَ له ولدٌ؛ لأن الولدَ والزوجَ نقصٌ واحتياجٌ، يكملُ به صاحبُه حاجتَه، واللهُ الغنيُّ الحميدُ، منزّهٌ عن الافتقارِ والحاجةِ.

(بَلْ) إضرابٌ وإبطالٌ للكلامِ السابق، وهو نسبةُ الولدِ لله سبحانه وتعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هذا كالدّليلٍ على إبطالِ ما تقدمَ، مِن نسبةِ الولدِ إليه، واللامُ في قوله: (لَهُ) للمِلكِ، فمَن في ملكِه وسُلطاتِهِ السماوات والأرض وما فيهنّ؛ كيف يحتاج للولد؟! لأنّ الولد يفتقرُ إليه الناقصُ؛ ليسدَّ به بعضَ حاجتِهِ، والله منزهٌ عن الحاجة، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) (مَا) تُستعملُ عند المحقِّقينَ للعاقلِ ولغيره، ولهُما مجتمعين كما هنا.

(كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) التنوين عوضٌ عن المضاف إليه، والتقديرُ: كلُّ مَن في السمواتِ والأرضِ - أي العالم بأسرهِ، علويه وسفليه - لهُ قَانِتونَ، في قبضته تحت سلطانه، والقنوتُ لزوم الطاعة والخضوع والانقياد، وجاء (قانتونَ) على صيغة جمع المذكرِ الخاصّ بالعقلاءِ مِن بابِ التغليبِ؛ ولأنّ قنوتَ العقلاءِ عن إرادةٍ واختيار، فهوَ أَبلغُ.

 

 واستدلَّ الفقهاءُ بالآية على أنّ مَن ملكَ ولدَهُ عُتقَ عليهِ؛ لأنّها نفتِ الولديةَ لله سبحانه وتعالى بإثباتِ العبودية، فدلّ على تنافِيهِما.

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بديعُ خبرُ مبتدأ محذوف[1]، هو بديع، والإبداعُ معناهُ الاختراعُ دفعةً واحدةً على غيرِ مثالٍ سابقٍ، فالسمواتُ والأرض وما فيهما من الأنواع والأجناسِ، لم يكنْ لها قبل خلقِهِ شبيهٌ ولا مثيلٌ.

(وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا) أرادهُ وقضَى أنْ يكونَ، قيل: قدرُ الله وقضاؤُه واحدٌ، والصحيح التفريق بينهما.

 فالقدرُ تقديرُ الله سبحانه وتعالى الأمورَ قبل أن تقعَ، والقضاء إنفاذُ ذلك القدَر، وخروجه من العدم إلى الوجودِ.

 (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (كُنْ) مِن كانَ، وهي كان التامةُ، بمعنى أوجَدَ وأحدث، فإذا أرادَ إيجادَ شيءٍ فبمجردِ إرادةِ إيجادهِ يكونُ موجودًا، فإنّ مَن ملك السموات والأرض، وكان الكون كله في قبضته، لا يحتاجُ إلى سببٍ في إيجاد ما يريده، كما زعمتِ النصارى بنسبتِهم المسيحَ - لمَّا لم يكن له أبٌ - إلى الله، وإنما أمرُهُ سبحانه إذا أراد حصولَ شيء أن تتعلق به إرادتُه، فيحصلُ بلا توقّفٍ، فلا يحتاج سبحانه وتعالى حقيقةً في كلِّ إيجادٍ إلَى قولِ كُنْ، وإنّما هو تمثيلٌ للتقريبِ في سرعةِ إيجاد ما يريد.

 

(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ) الذين لا يعلمونَ هم كفار قريش، و(لولا) بمعنى هلا، تدل على التحضيض[2]، والحث على الفعل، وعلى تمنيهم أن تأتيهم آيةٌ من السماء ليؤمنُوا، وهم في ذلك مستهزؤون كاذبونَ، فقد بلغت بهم المكابرة والاستعلاء مبلغًا عظيمًا، حتى إنهم نزَّلوا أنفسَهم منزلةَ الملائكة والأنبياءِ، وطلبوا أن يكلمَهم الله جهرة، أو تنزل عليهم الملائكة، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا)([3])، ولمّا بلغَ بهم الجحودُ ذلك المبلغَ، عمُوا وصمّوا، وأعرضُوا عما يرونَه من المعجزات الباهرةِ، وأعظمها القرآنُ المعجز، تَرَكُوا ما بينَ أيديهِم وقالوا: (لَولَا تَأتِينَا آيَةٌ) يريدونَ: أيّ آيةٍ غير ما بينَ أيدِيهم، فالتنوينُ في (آية) للتنكيرِ، وكان مما اقترحوه مِن الآياتِ: (لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) ([4]).

(كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ) الكاف للتشبيه، والمعنى: مثل قولهم في المكابرةِ والجُحود وتكذيبِ الآياتِ قال الذينَ من قبلهم؛ فقال قوم موسى عليه السلام: أَرِنَا اللهَ جَهرَةً، وقال قوم عيسى عليه السلام: أَنزلْ عَلينَا مَائدَةً مِن السّماءِ، ويمكن حملُ (كَذَلِكَ) على التفخيمِ والتهويلِ مِن الحَالِ التِي هم عليها؛ للتحذيرِ منها، لاستمرارِ حالِهم على ما قالَهُ الأوّلونَ، لأنّ في قولِه بعده: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) ما يُغنِي عن التشبيهِ.

(تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) في الكفر والعمى عن الهدى، بسببِ العنادِ والجحودِ (قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) مَن يطلبون اليقينَ صادِقينَ مُنصِفينَ قد جاءتهم البيناتُ، ومِن أعظمِها القرآنُ المعجزُ، فنفعتهُم الآياتُ، ولا يزالونَ ينتفعونَ بها، فاليقين فيهم مستمرٌّ، وهذا سرُّ التعبير بالمضارعِ (يُوقِنُونَ)، الذي يفيدُ الاستمرارَ والتجدّد.                   

 



[1] وهو إنْ كان مِن الثلاثيّ بَدَعَ - وقد جاء قليلا - فلا إشكال أن يكون بمعنى فاعلٍ، كعليم وقديرٍ، بمعنى عالم وقادر، وإن كان من المزيدِ فمجيئه بمعنى اسم الفاعلِ مُبدع ليس بقياس، لكن سُمع في ألفاظٍ غيرِ قليلةٍ، كبديع في هذه الآيةِ بمعنى مُبدع، وسميع بمعنى مُسمع، في بيت عمرو بن معديكرب في مطلع قصيدة له، وقدْ أُخذَت أختُه ريحانة، فلم يقدرْ على افتِكاكِها:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ       يُؤَرِّقُنِي وأَصْحَابِي هُجُوعُ

وفيها البيت المشهور:

إذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شيئًا فدَعْهُ           وجاوِزْهُ إلى مَا تَستَطِيعُ

(السميع بمعنى المسموع، ويؤرقني: يحرمني النوم، وهجوم: نيام).

وسُمع منهُ بشيرٌ ونذيرٌ وقعيدٌ وحبيبٌ وقضيٌّ وهديٌّ ووصيٌّ وحكيمٌ وفريدٌ وأنيقٌ وأليمٌ، في أخوات لها جاءت بمعنى مُفعِل، ومَن رأى حملَ بديعٍ في الآية على القياسِ، ذهبَ إلى أن بديع هو على المبالغةِ؛ كوجيعِ وأليمِ، على حد قولِ القائلِ:

تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ.

أو صفة مشبهة من بدعَ، بمعنى بديعةٌ سماواتُه، وليس على اسم الفاعلِ.

 

[2]  لولا تكونُ للحضِّ على الفعل كما في الآية، وتكون حرفَ امتناع لوجود، كما في قولك: لولا الخيانة لانتصرنا، والفرق بين لولا في الموضعين؛ أنّ التي للتحضيض لا يليها إلا الفعلُ، إمّا ظاهرًا، كما في الآية: (لَولَا تَأتِينَا آيةٌ)، أو مضمرًا، كما في قولكَ: لولا العاملون في المصارف يوفرون السيولة، بخلاف لولا حرف الامتناع؛ فيأتي بعدها مبتدأ محذوف الخبر، كما في المثال السابق: لولا الخيانة لانتصرنا، وقد تكون لولا للاستفتاح.

[3]) الفرقان:21.

[4]) الفرقان:8-9.

2017-03-26 تاريخ الإضافة: 0 89 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 67- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (67).

 

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:114 - 115].

قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) نزلت فِي المشركين، عندما منع أهلُ مكَّة النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الدُّخول إلى مكَّة؛ كَما جَاء فِي حَدِيثِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رضي الله عنه، حِينَ دَخلَ مَكَّةَ خِفْيَةً فِي عَامِ الحُدَيْبِيَةِ وقبلَها، حتى قَالَ أَبُو جَهْلٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصِّبَاءَ"، وهذا العدوان متفرعٌ عَن تمني المُشرِكين عدم نُزولِ القُرآنِ على المسلمين، وتكذيبهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)[1]؛ ليتبينَ مِن ذلك أَنَّ ظلمَ المشركين فِي منعِ المسلمينَ مِن المسجدِ الحرامِ، وصدّهم عن سبيل اللهِ، هو ظلمٌ لَم يَبْلغهُ أَحدٌ مِمَّن قَبْلهُم.

(وَمَنْ أَظْلَمُ)[2] لا أحد أظلمُ ممّن منَع مساجدَ الله مِن أنْ تستعمَل فيما وُضعَت له، من العبادةِ والذكرِ والتعليم.

وَالظُّلْمُ وضعُ الشيء في غير موضعِه، ويكونُ بِالاعتداءِ على حقِّ الغيرِ، وكانوا أظلمَ الناس؛ لأنهم ضمُّوا إلى كفرِهم اعتداءَهم على حقّ المسلمينَ في عبادةِ ربِّهم، وصدّهم عن المسجدِ الحرامِ، وهم أحقُّ الناس به، وفي حكم المسجدِ الحرام في التحذير مِن المنعِ منهُ سائرُ المساجدِ الأخرى، فالله تعالى وضع مساجده في الأرض ليوحَّدَ فيهَا ويُعبدَ، وتنطلقَ منها الدعوةُ إلى الله لإظهارِ دينه، فمَن صدَّ الناسَ عنها، ومنَعَ أن تُرفع وتعمرَ بالصلاة والذكرِ وتعليمِ العلمِ، أو عطَّلها عن دورِها وعن القيامِ برسالتِها، وعطَّل دروسَها، وما يُقدم فيها مِن أعمالِ البرّ والقربِ؛ فقد فعلَ فِعل المشركينَ، في صدِّهم عن سبيلِ الله وعنِ المسجدِ الحرامِ، لا أحد أظلم منه، وكذلك تعطيلُ ما يشبهُها؛ من الزوايا ومراكز التحفيظ ومدارسِ ومعاهدِ العلمِ، التي بُنيت لعبادة اللهِ وتعليمِ الخلقِ. 

ولعلّ في التعبير بصيغة الجمعِ (مَساجِدَ اللهِ) ما يشيرُ إلى هذا التعميمِ في الحكم، وليس هو خاصًّا بسببه - وهو المسجد الحرام - بل يعمُّ كل مسجدٍ، ويعم ما في معنى المسجد مِن دورِ العبادةِ والعلمِ، ويدخلُ المشركون في الصدِّ عن الكعبةِ دخولًا أوليًّا، على قاعدةِ ورودِ العام على سببٍ خاصّ، وتكونُ الإضافة في (مساجِدِ اللهِ) على معنى اللامِ التي للاستغراقِ، ولا يدخلُ في المنعِ مِن المساجدِ المتوعّدِ عليه المنعُ بحقٍّ؛ كمنع أهلِ السوء، وجواسيسِ السلطانِ المعادي للدينِ ومخابراتهِ، ولا منع الجهلةِ وغير المؤهلينَ، الذين يفتون الناسَ في المساجدِ بغير علم؛ فيَضِلّون ويُضلون، ولا منع الغلاةِ - المنحرفين عن سواء السبيل ووسطيةِ الدِّين - من الدروس والمنابرِ، وإن زعمُوا أنهم به متمسّكون، ولا غلق المسجدِ  في غير أوقاتِ العبادة؛ لحفظِهِ وصيانته، وقد سُئل ابنُ عرفةَ عن ذلكَ فقال عن غلقِه لهذا الغرضِ: "حفظٌ وصيانةٌ"، وهوَ كمنعِ الجنبِ والحائضِ منه، ومنعِ آكلِ الثومِ، وكمنعِ مُنشدِ الضالّة، ومنعِ عمرَ رضي الله عنه الحديثَ فيه للدنيا... إلخ.

ولا تعارض بين قولهِ هنا: (ومَنْ أظلَمُ ممَّن مَنَعَ مساجِدَ اللهِ)، وقولِه في الآيةِ الأخرَى: (وَمَنْ أظْلَمُ ممَّنِ افْترَى علَى اللهِ كَذِبًا)[3]؛ لأن المعنى أنّ ظلمَ مَن منَعَ مساجدَ الله أشدُّ مِن ظلمِ غيرِه، غير ظلمِ الافتراءِ مثلًا، لا أنَّه أظلمُ الناسِ، وكذا مَن افترَى الكذبَ ظلمُه أشدُّ مِن ظلم غيرِه، غيرِ المنعِ منَ المساجدِ، لا أنّه أظلمُ الناسِ على الإطلاقِ؛ لأنّ ظلمَ الكفرِ أشدُّ منه قطعًا.

أو أنّ المفاضلةَ في الظلم هي بين أفراد النوعِ الواحدِ، الوارد التحذيرُ فيه؛ فالظلمُ المتعلقُ بالمساجدِ أشدُّه المنعُ منها، والظلم المتعلقُ بالكذبِ أشدُّه الافتراءُ على اللهِ، وهكذا.

(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) أصلُ السّعيِ المشيُ والمضيُّ، والمرادُ به التسببُ المقصودُ في الفسادِ والخرابِ؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾[4]، وعُدي الفعلُ بـ[في] الدالةِ على التعليل، أي: سَعَى لأجلِ الخرابِ والفسادِ. 

(أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الإشارة بأولئكَ إلى مَن منعَ المساجدَ، وسعَى في خرابِها، واللامُ في لهم للاستحقاقِ، أي: لا يحقُّ لهم دخولُها بعدَ أنْ فعلوا ما فَعلوا إلّا خائفينَ، وهو بيانٌ للجزاءِ الذي يستحقّونه؛ في الدنيا الذي هو الخوفُ والمذلةُ، وفي الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ، عذابُ الظالمينَ، وقد تحققَ هذا الوعيدُ في الدنيا بالخوف والمذلةِ - لمَن صدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسجدِ الحرام - يومَ فتحِ مكةَ، حتّى نادَى المنادي: مَن دخلَ المسجدَ الحرامَ فهو آمنٌ، فدخلُوهُ يومَها مذعورينَ، هروبًا مِن السيف.

أو أنّ المعنى: ما كان ينبغي لمن منعَ مساجدَ الله مِن أهلِ الباطلِ، أن يدخلُوا المساجدَ إلّا خاشعينَ لله، خائفينَ، لا أن يكونُوا مستكبرينَ مُفسدين.  

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) الْمَشْرِقُ اسم مكان مَوضِع الشُّرُوقِ، وَالْمَغْرِبُ مَوضِع الغُرُوبِ، أَي: للهِ الجهات كلّها، فهي مشارق ومغاربُ، وله ما بين الجهاتِ، مِن الأراضي والسماواتِ وسائرِ المخلوقات.

وإضافة المشرق والمغرب إلى الله للتشريفِ، كما هي في بيتِ الله، وناقة الله، وتشريفُها من جهةِ أنها في قبلةِ الصلاة، فمن النّاس مَن تكونُ مكة إلى شرقِهِ، ومنهم من تكونُ إلى غربهِ، وتتفاضلُ الجهاتُ بتفاضل التقرُّبِ بها إلى الله، قال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِن مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيه نَزَلَتْ: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)"[5].

(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ)[6] المعنى: إلى أيِّ جهةٍ وليتُم وجوهَكم، راكبينَ في سيرِكم وقتَ سفرِكم (فثَمَّ وَجهُ اللهِ) فتلكَ القِبلَةُ التي تصلّونَ؛ كمَا جاءَ عن ابنِ عمر. 

(إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وسعتْ رحمتُه وأحاطَ علمُه بكلِّ شيءٍ؛ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)[7].



[1] البقرة:105.

[2] مَن مبتدأ وأظلمُ خبر، وجملة (أَنْ يُذكَرَ) بدلٌ مِن مساجد، وأصل مَن الاستفهامية نكرةٌ موصوفة، فالكلام من النكرة في سياق النفي التي تفيد العموم.

[3] الأنعام:93.

[4] النازعات:22.

[5] مسلم: 700.

[6] أينَمَا أداةُ شرط، منصوبةٌ على الظرفية، و(تُولُّوا) فعلُ الشرطِ مجزومٌ، و(أَينَ) هي العَامِلَةُ، ومَا زَائِدَةٌ، وجملة (فَثَمَّ وَجهُ اللهِ) جوابُ الشرط، وثَمَّ ظرفُ مكانٍ مبهمٌ مبنيٌّ على الفتحِ للبُعدِ، مثل (هناك).

[7] غافر:7.

2017-03-08 تاريخ الإضافة: 0 88 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 66- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (66).

 

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)[البقرة:110 – 113].

 

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ بعد أنْ أمرهم بالعفوِ والصفحِ، أمرَهم بما يعينُ على العفوِ والصفحِ وتحمّلِ الأذَى، وهو تزكية النفوس بأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فذلك مِن شأنهِ أن يثبتهم على الإيمانِ ويهذبَهم.

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يضرُّكُم أنَّ أعداءَكم لا يقدِّرونَ العفو والصفحَ عنهم، فما تقدمونَه مِن خيرٍ - صغيرًا كانَ أو كبيرًا، مِن هذا العملِ أو مِن غيرِه - تجدونَه محضَرًا عندَ اللهِ يومَ الجزاء، ومهما تغافَلَ الناسُ عنهُ فإنّ اللهَ بصيرٌ بهِ، مطَّلعٌ عليه، فلا يمكنُ أنْ يلحقَهُ في الحسابِ تَطفيفٌ ولا نَقصٌ، وهذا الوعدُ للمؤمنين بالثوابِ، يتضمنُ وعيدًا لغيرِهم بالعقابِ.

(وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ الجملة معطوفة على جملة (وَدَّ كَثيرٌ) وضمير (قالُوا) لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، و(هُودًا أو نَصَارَى) خبرُ كانَ، جاء جمعًا مراعاةً لمعنَى (مَن) في قوله: (مَن كانَ هودًا) وجاء اسمُها ضميرًا مفردًا مراعاةً للَفظ (مَن)، وهودا جمعُ هائدٍ، مِن قولِهم (هُدْنَا) أي رَجَعنا وتُبنا، ونَصَارَى جمعُ ناصرٍ، مِن قولهم (نحنُ أنصارُ اللهِ)، و(أو) في قوله: (أو نصارى) للتقسيم والتوزيع؛ لأنّ في الآية احتباكًا؛ لفًّا ونشرًا إجماليا، حُذف فيه توزيعُ نسبةِ كلِّ قولٍ لقائله، للثقةِ بعلمِ السامع به، والمعنى: قالت اليهود: لن يدخلَ الجنة إلَّا من كانَ هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنةَ إلّا مَن كان نصارَى، وحُذف هذا التفصيلُ لأنّه لا يتبادرُ أنّ اليهودَ تقولُ: لن يدخل الجنةَ إلا من كان نَصارى، والعكس.

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ تلك إشارة إلى قولتهم (لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ) وأَمانيّ جمع أمنية، أي: الكذب الذي يرغبونه، ويتمنونهه، وجمعت الأماني مع أن المشار إليه بتلك قولةٌ واحدة، وذلك باعتبار تعدُّدِ الأماني مِن أفرادهم، وكذلك تعدد نوعِها، فاليهود مِن أمانيهم أن يدخل الجنة اليهودُ، وألّا يدخلها المسلمون ولا النصارى، والنصارى أمنيتهم مثلُهم، و(البرهان) الحجة القاطعة؛ هاتوا حجتكم وبرهانكم على أمانيكم الكاذبة، وأتي بإنْ في: (إنْ كُنْتُمْ صَادقِينَ) المفيدةِ للشكِّ في صدقِهم مع أن كذبهم مقطوع به، وذلك لاستدراجهم حتى لا ينفروا، ليعترفوا بكذبِهم حين عجزهم عن البرهانِ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾([1])، والكلام الذي لا حجةَ عليه كالعدمِ.

﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أثبتوا في الآية السابقة دخول الجنة لأنفسهم، ونَفوهُ عن غيرِهم، فجاء الجواب بإبطال كلامهم، فقيل لهم: (بَلى) وهي أداةُ نفيٍ، تقع في جواب النفيِ لتثبته؛ لأنّ نفيَ النفيِ إثباتٌ، فقول اليهود: (لن يدخل الجنة المسلم، ويدخلها اليهودي)، يصير بجواب بلى: (يدخل الجنة المسلم، ولن يدخلها اليهودي)، وهكذا في قول النصارى.

ويحسنُ الوقفُ على (بَلَى)، وجملة (مَن أَسلَمَ وَجهَه) مستأنفة، وعلى وصلِ بَلَى بما بعدَها يقدرُ الكلامُ: بلَى يدخلُها (مَن أسلمَ وجهَه لله) يدخلها كل من انقادَ واستسلمَ وأخلصَ لله، والوجهُ الجارحةُ المعروفةُ، والمراد أخلص بذاته وكليته لله، أو المرادُ بالوجهِ المقصدُ والتوجّهُ، أي: مَن أخلصَ مقصدَه وتوجُّهَه، وخُصّ الوجه بالذكر، لشرفِه بين الأعضاء، واشتمالِه على الحواسّ (وَهوَ مُحسنٌ) جملةٌ حاليةٌ معترضة، تفيدُ أنّ حُسن التوجهِ والإخلاصَ لابدّ معهُ مِن حُسن العملِ (فَلهُ أجْرُه) جوابُ الشرطِ، على أنَّ مَن شرطيةٌ، وخبرٌ على أنّها موصولةٌ، واقترنَ خبرُها بالفاءِ لشبهها بالشرطِ، وجملةُ (فلهُ أجرُهُ عندَ رَبِّه) وما بعدَها تذييلٌ، يؤيدُ صدرَ الآية، فهو في قوةِ: فَلهُ الجنةُ، وبذلك يتأكدُ ما سبقَ، مِن أنّ الجنةَ ليست خاصة بهم كما زعَموا، بل لكلِّ مَن أخلصَ وعملَ الصالحات.

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال كل فريق عن الفريق الآخر: ليسوا علَى شيءٍ، أي: ليسوا على شيءٍ نافعٍ يُعتدّ به مِن الحق (وَهُم يَتلونَ الكِتابَ) الضمير (هم) يعودُ على الفريقين (يَتلونَ) يقرؤونَ دونَ تدبرٍ، فلا ينتفعونَ به، ولذا لم يقلْ يَعلَمونَ، والجملةُ حاليةٌ؛ لبيانِ سوءِ حالِهم، ومزيدِ التعجيبِ مِن صنعهم، حيث إن كلًّا منهم يُبطل دِين الآخرِ، مع أن الكتابَ الذي يقرؤونَه يصححُ لكل منهما دِينَ الآخرِ، فالتوراةُ تبشرُ بأنبياء بعدَ موسى عليه السلام، والإنجيلُ مبنيٌّ على ما في التوراة.

وقيل في سبب نزول الآيةِ؛ إنه قدِمَ ستونَ مِن عربِ نصارَى نجران - وهي قبيلة عربية يمانية، كانت تسكن نجران، قرية كبيرة بين اليمن واليمامة - قدمُوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، في السنة الثانية للهجرة، فأتتهم أحبارُ اليهود فتناظروا وتنازعوا، وقالت اليهود لهم ليستْ النصارَى على شيءٍ مِن الحقّ، ورمَتهم النصارَى بمثلِ قولهم ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مثل قولِ اليهودِ والنصارَى في تكذيب الأديانِ قالَ مشركُو العربِ، الذينَ لا يعلَمون، فهُم أمِّيونَ، وليس عندهم كتابٌ، كذّبوا أيضًا الأديانَ اليهوديةَ والنصرانيةَ والإسلام، ولم يؤمِنوا بدين ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ اللهُ يفصِلُ بينَ كلِّ الفِرقِ الثلاثةِ، فيما ذكرُوه مِن التكذيبِ لبعضِهم، وفي غيرِه، ويُجازيهم بِما يستحقّون.

 

 



[1]) سبأ: 24.

2017-02-24 تاريخ الإضافة: 0 87 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 65- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (65).

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (أَلَمْ) همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي لمْ، وكل استفهام دخل على النفي يفيد التقرير؛ لأن حرف الاستفهام للنفي، ولم للنفي، ونفيُ النفيِ إثباتٌ، أي: لقد تقرّرَ أنّ الله تعالى له ملك السموات والأرضِ، والخطاب في (تَعلَمْ) لكلّ أحدٍ مِن أفراد الأمة، على سبيلِ البدَلِ، ويجوزُ أن يكونَ خطابًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمرادُ أمتُه؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يحتاج أن يقرّرَ على أنّ الله على كلّ شيءٍ قديرٌ، وأنّ اللهَ له ملك السمواتِ والأرضِ.

(وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) الوليّ المالكُ والقائم بأمرِ غيره ورعايتهِ، والنصيرُ القادرُ على نصرته ونجاته، وجمعَ بينهما لأنّ مَن يتولَّى غيرَه قد لا يكونُ قادرًا على النصرةِ، والقادرَ على النصرةِ قد لا يكونُ متوليًا الرعايةَ الدائمةَ، فالله تعالَى وحدهُ هو المتولِّي أمرَ عبادِه على الدوامِ، والقادرُ علَى نصرتِهم ونجاتِهم مِن الشدائدِ على الدوامِ.

وقوله: (مِنْ دُونِ اللهِ) دُون بمعنى سِوَى، تفيدُ معنى الاستثناءِ لأنّها مسبوقةٌ بالنفيِ، وتدلّ مع النفيِ على قصرِ الولايةِ والنصرةِ الحقّة على الله تعالى.     

(أَمْ) حرف عطف استفهامية، تكون منقطعة - كما هنا - بمعنى لكن أو بل، وذلك عندما يستفهم بها عن جملة، ينتقل بها مِن الكلام السابقِ إلى الاستفهامِ عن أمرٍ آخر غيره، وفي الآية انتقالٌ مِن الاستفهام التقريريّ في الجملة التي قبل (أم)، وهي: (أَلَمْ تَعْلَمْ...) إلى الاستفهام الإنكاري في الجملةِ التي بعدَها: (أَمْ تُريدُونَ...)، والتقدير: قد علمتم أنّ الله على كل شيء قدير، وأنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، لكن مع علمِكُم تريدونَ أن تسألوا رسولَكم سؤالَ الجاهل، كما ارتكب قومُ موسى مِن قبل؛ في مثلِ قولهم: اجعل لنا إلاهًا كما لهم آلهة، أو مثلِ سؤالِهم عن البقرةِ ما هي؟ وما لونها؟ ونحو ذلك، فدَلَّ الاستفهامُ الإنكاريّ على التحذيرِ مِن التشبهِ بقومِ موسى في السؤال، سواء فيما يضر بالعقيدة كالأول، ومنه ما تمناه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون لهم ذات أنواط([1])، أو كان فيما لا يحتاج إليه، ممّا فيه تعمّقٌ، ويوقعُ في الحرج؛ كما في السؤال عن البقرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ([2]).

وتكون (أَمْ) بمعنى (أو)، وتسمّى متصلةً أو معادِلة، وذلك عندما يُعطف بها لتعيينِ أحدِ أمرَينِ، أو للتسوية بين احتمالِ حصولِ كلٍّ منهما، ويكثر ذلك في عطف المفردات.

وفي قوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا) مبالغةٌ في النهي، حيث نُهوا عن إرادة السؤال، فضلًا عن السؤال نفسه، وبني الفعل (سُئل) للمجهول، ولم يُذكر السائلُ؛ للإشارة إلى أنّ من سأل ذلك يستحقُّ أن يُصانَ اللسان عنه.

 

(وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) يختار الكفرَ ويُعرضُ عن الإيمان، فالكفر في الآيةِ هو المأخوذُ، والإيمانُ هو المتروكُ، على القاعدةِ في مثلِه مِن أنّ الباءَ تدخلُ على المتروكِ، وقوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فقدْ حادَ عن الطريقِ، والسواءُ الوسطُ، ومنه: ﴿إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ([3])، وسواءُ السبيلِ أعدلُهُ وأقومُهُ، والجملةُ جوابُ مَنْ الشرطية، ووقوع الجواب ماضيًا مقترنًا بقد - مع أنه مترتبٌ على فعلِ الشرطِ المضارعِ الواقعِ في المستقبل - كثيرٌ في القرآن، وإذا جاءَ كذلك فإنّه يدلَّ على شدةِ اتصال وقوعِ الجوابِ بوقوع الشرطِ، حتى كأنّه وقعَ معه، والمعنى: ومَن يترك الإيمان ويُعرضْ عنِ الآياتِ البيناتِ، ويختارُ الكفرَ بسؤاله سؤالَ أهل الكفر؛ فقد حاد عن الجادَّةِ، التي هي وَسطُ الطريقِ وأعدلٌه، والتي فيها نجاتُهُ، ووقعَ في أعظمِ الضّلال؛ لاختيارهِ طريق الكفر. 

 

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ﴾.

(وَدَّ) تمنّى وأَحبّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتاب مِنَ اليهودِ، وعلى رأسِهم أحبارُهم، وليسوا كلّهم؛ ليخرجَ مَن آمنَ منهم، تمنّوا (لو يرُدُّونَكم) أن يردُّوكُم، فـ(لوْ) بمعنَى (أَنْ) يؤوَّلُ ما بعدَها بمصدرٍ، لكنّها لا تنصب، تمنوا ردّكم (كفارًا) حالٌ مِن مفعولِ يردونَكُم، أو مفعولٌ ثانٍ، على تضمينِ يردونَكم معنى يصيِّرونَكم (حَسدًا) مفعولٌ لأجلهِ، هذا التمنّي سببُه وعلتُه الحسدُ لا غيرُه (مِن عندِ أنفسِهم) مِن ابتدائيةٌ، تدلّ على تَأَصُّلِ الحَسدِ فِيهم، وصُدورهِ مِن قِبل نُفوسِهِم، لا عن التديّنِ طاعةً لدينهم كما يزعمونَ، وتأَكَّدَ بالعنديةِ في قوله: (عِنْدِ) المتعلقة بـ(حسدًا) الدَّالّةِ علَى التمكنِ والِاستِقرارِ.

(فَاعفُوا) العفوُ تركُ العقوبةِ (واصفَحُوا) الصفحُ الإعراضُ وعدمُ اللّومِ، وعُطف على العفوِ لأنّه أبلغُ منهُ، فالصفحُ ليس فقطْ عدم العقوبةِ، بل تركُ اللومِ والتثريبِ (حَتّى يأتِيَ الله بأَمرِهِ) حتّى للغايةِ؛ غاية العفوِ وغضِّ النظرِ عن أذاهم أنْ يؤذَنَ لكمْ في قتالِهم وإخراجِهمْ، فقاتلَ المسلمون قريظةَ، وأخرَجُوا بني النظير، والمعنى: يتمنّى اليهودُ لو ترجعون عن الإسلامِ، وتصيرونَ كفارًا مرتدّين عنه، بعد أن أعزَّكم الله بهِ، وما يدفعُهم إلى ذلكَ إلَّا الحسدُ، المنبعثُ مِن قِبل نفوسِهم، وما تميلُ إليه أهواؤُهم، وليسَ التدينُ والحرصُ على دينِهم، وهم يفعلونَ ذلكَ لا عن قِلةِ علمٍ، بل عن علمٍ كاملٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، بعدَ أن تبينَ لهم صدقُه، ووضحتْ آياتُه ومعجزاتُه، ومن المصلحةِ أن تعفُوا عنهم وتصفحُوا، فلا تعاقبُوهم، ولا تلوموهُم، إلى أنْ يأذنَ اللهُ لكم بقتالِهم وإخراجِهم.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لو شاء لعجَّلَ لهم العقوبةَ، وسلّطكُم عليهم، ولكن لحكمةٍ أمرَكم بالعفوِ والصفحِ عنهم إلى حينٍ.



[1]) شجرة كان يتعلق بها أهل الجاهلية. [والحديث أخرجه أحمد:21390، والترمذي:2180 وقال: «حسن صحيح»].

[2]) المائدة: 101.

[3]) الدخان: 47.

2017-02-21 تاريخ الإضافة: 0 86 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 64- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (64).

 (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).

 مناسبةُ الآيةِ لِما قَبلَها أنّ اليهودَ عندَما امتنعُوا عَن الإيمانِ بنبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلّم، ادّعوا أنّ الذِي يمنَعهم هو تمسّكهم بمَا أنزلَ عليهم، وأنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أقرّ بأنّ ما أنزلَ إليهم حقٌّ وصدق مِن الله، والصدقُ مِن اللهِ تعالى لا يمكنُ نسخُه؛ لأنه في زعمِهم يستلزمُ البداء، أي أنّ الله علم شيئًا بعدَ أن لم يكن يعلمُه، وهو مستحيلٌ، وهذا زعمُ كلِّ مَن أنكرَ النسخَ، وأصلُ إنكار النسخِ مِن ضلالاتِ اليهود، ولَا يرِدُ ما زعموه.    

فالنسخُ بالنسبةِ إلى الله تعالى ليس بداءً وظهورًا لأمرٍ كان خافيًا عنه، وإنّما هوَ بيانٌ لمدةِ الحكمِ الأوّل في علمِ الله، لا رفعه وتبديله، وبالنسبة إلينا هو رفعٌ للحكمِ وتبديل، وقد ردَّ الله تعالى علي اليهود بوقوع النسخ، وخاطبَ به المؤمنين، إذْ لا فرق بينَ نسخِ بعضِ الشريعةِ ببعضِ، ولا بينَ نسخ شريعةٍ بشريعة أخرى. 

(مَا نَنسَخْ) ما شرطية محلّها النصب، مفعولٌ به لننسخ، وننسخْ مجزوم بها، والنسخُ إزالةُ شيء بشيءٍ يعقبه ويأتي بعده، كنسخ الشمس الظلّ والظلّ الشمس، والشيب الشباب، ويستعمل بمعنى الإزالة مطلقًا، لا يعقبها شيءٌ يأتي بعدها؛ كقولك: نسخت الريحُ الأثرَ، ويأتي بمعنى الإثبات دون إزالةٍ؛ كنَسَخْتُ الكتابَ، وبمعنى الإزالة والإثبات معًا؛ كالنسخ الوارد في الآية، فهو إزالة حكم وإثبات حكمٍ بدله، بدليل قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).

(مِن آيَةٍ) مِن بيانية، والآيةُ العلامةُ، وتُطلق على المعجزة، ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)[1] وعلى الآية القرآنية؛ كما في قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ)[2].

ومعنى النسخ في الاصطلاح الأصوليّ: رَفعُ الحُكمِ الشَّرعِيِّ بِخطَابٍ شرعيّ آخر، فخرج بـ(الرفع) الحكمُ الواردُ ابتداء، وَبـ(الحكم الشرعي) رفعُ البراءةِ الأصلية بشرعٍ جديدٍ، فلا تسمى نسخًا؛ لأنّ البراءة الأصلية معناها عدمُ التكليف، الذي عليه الناس قبلَ ورودِ الشرع، فهي ليست حكمًا شرعيا.

(أَوْ نُنسِهَا) من النسيانِ، ومعناه تركُها وعدمُ قراءتِها، أو عدمُ العملِ بحكمِها، ممّا يجعلُها مَنسيةً، غيرَ محفوظةٍ ولا مذكورةٍ، وفعلُه نَسِي.

وقرئ مهموزًا (نَنْسَأْهَا) مِن الإنْساءِ، وفعلُه أَنْسَأَ، بمعنَى نؤخِّرها، والمرادُ إبطالُ العملِ بها (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) جوابُ الشرط في مَا ننسخْ مجزومٌ، أي: نأتِ بناسخٍ خير مِن المنسوخِ. 

والخيرية قد تَكونُ مِن حَيثُ أنّه أكثرُ مناسبةً لتحقيقِ المصلحة للمكلَّفين، أو رفع الحَرجِ عنهم، والرفقِ بهم، أو لتكثيرِ الثواب، إذا كان حملُهم على الأشدِّ أكثرَ مصلحةً لهم، وجاء العطفُ بـ(أوْ) التي للتنويعِ لا الجمع؛ ليفيدَ أن الناسخ منهُ ما هوَ خيرٌ مِن المنسوخ، كنسخِ الشرائع السابقةِ بشريعة الإسلامِ، وكنسخ ما جاء في الخمرِ والميسرِ في قوله تعالى: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)[3] بقوله تعالى: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)[4]، وهذا المثال الأخيرُ للخيرية بالحملِ على الأشدّ، فليست الخيرية دائمًا بالحمل على الأخفّ.

ومنه ما يكون نسخًا مثل المنسوخ، كنسخ شريعةِ هود بشريعة صالح عليهما الصلاة والسلام، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)[5] بآية الفرائض والمواريث (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ...)[6] إلى آخر الآيات، وقد تجتمع المثلية مع الخيرية في الناسخ، بحيث يكون خيرًا من جهةٍ ومِثلا مِن جهة أخرى؛ كما في نسخ خمسينَ صلاةً بخمس صلوات، ففيها خيريةٌ بالتخفيف، ومثلية في الأجرِ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ)[7] أي: خمسون في الأجر.

ويستدل الأصوليون بهذه الآية على جوازِ النسخ؛ لأنه لا وجه لذكرهِ إلا جواز وقوعه، ولأنّ أدوات الشرط مثل (مَا) و(إِنْ) تدل في أصلِ وضعِها على احتمالِ ما دخلتْ عليهِ وجوازِه.



[1] [النمل:27].

[2] [النحل:101].

[3] [البقرة:219].

[4] [المائدة:90].

[5] [البقرة:180].

[6] [النساء:11].

[7][البخاري:342، مسلم:237].

2017-02-14 تاريخ الإضافة: 0 85 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 63- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (63).

(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

  (لَوْ) يجوزُ أنْ تكونَ شرطيةً وجوابُها محذوفٌ، دلّت عليه جملةُ (لَمَثُوبَةٌ) فليست هي الجواب؛ لأنّ جوابَ لو لا يأتِي جملةً اسميةً، أي: لو أنّهم آمَنُوا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم والقرآن، واتّقَوا بالابتعادِ عنِ السحرِ والمعاصِي؛ لأثابَهم اللهُ، وأعطاهُم الجزاءَ الحسنَ، ويجوزُ أن تكونَ (لَو) للتمنِّي، لا تحتاجُ إلى جوابٍ، وأدواتُ التمنّي والترجّي في القرآن تُحمل على المخاطَبينَ؛ لأنّ التمنّي والترجّي على الله مُحالٌ، وعلى الوجهينِ - في معنى حرف لو - فجملةُ (لو) اكتملت بجوابها، أي: لو أنّهم آمنوا لأثابهم الله، أو لتَعرّضُوا لثوابِهِ، فقولُه (لَمَثُوبَةٌ) جملةٌ مستأنَفةٌ، مقترنةٌ بلام الابتداءِ الموطئة للقسمِ، الدالّةِ عليه، والتنكيرُ في (مَثوبةٌ) للدلالةِ على أنّ أيَّ قدرٍ مِن المَثوبةِ - مهما كان قليلا - فيهِ الخيرُ، فالتنكير للتقليلِ، و(خَيرٌ) صفةٌ مشبهةٌ، تثبتُ ملازمةَ الخيرِ للإيمانِ (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) شرطٌ آخرُ محذوفُ الجوابِ، وحذفَ مفعولُ يعلمونَ لدلالةِ ما قبلَهُ عليه، والتقديرُ: لو كانوا يعلمونَ مثوبةَ الله ما اشتروا السحرَ وأعطوا فيه دينَهم، وهم قد علِموا، لكن نُفيَ شرفُ العلمِ عنهم لتركِهم العملِ بهِ.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنَا) راعِنا فِعْلُ طَلَبٍ مِنَ الرَّعْيِ، مبالغةٌ دلّت عليها المُفاعلة، مِن رعاهُ إذا حرسَهُ مِن الهلاكِ والتلفِ، والرّعيُ والرّعايةُ حفظُ الغيرِ، عاقلًا كان المحفوظُ أو غيرَ عاقلٍ؛ لمصلحتِه والرفقِ به ومراقبةِ نفعِه.

وسببُ نزولِ الآية أنّ المسلمين كانوا يقولونَ للنبيّ صلى الله عليه وسلّم: راعِنَا، يطلبونَ منه أنْ يتأنّى ويترفّقَ بهم، ويمهلَهم فيمَا يلقيهِ عليهم مِن الوحيِ، فلا يعجلَهم؛ ليتمكنُوا مِن فهمِ كلِّ ما يقولُ، وكان لليهودِ معنًى آخرَ لكلمةِ (رَاعِنَا) في لغتِهم العبريةِ، يستعملونَهُ في السبِّ، مِن الرُّعونةِ والجهلِ، ولمَّا سمعَ المنافقونَ من اليهودِ المسلمينَ يقولونَها للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم، يطلبونَ منه الترفقَ بهم في التعليمِ، وجدوا ذلك فرصةً مواتيةً، يصلونَ منها إلى غرضِهِم الخبيثِ، فقالُوا: كنّا نسبُّه سرًّا، فالآنَ نسبّه جهرًا، وخاطَبوا بها النبيَّ صلى الله عليه وسلّم، يريدون سبّه.

ومَعنَى راعِنَا عندَهم: اسمَعْ لَا سَمِعْتَ، وقيل: أرادُوا (راعنًا) اسْمَ فاعلٍ مِن رَعَنَ، إِذَا اتَّصَفَ بِالرُّعُونَةِ، فنُهي المؤمنونَ عن استعمالِ الكلمةِ سدًّا للبابِ، وقطعًا لذريعةِ الفسادِ، وأُمروا باستعمالِ كلمةٍ أخرَى، تساويها في المعنى وفي الحروفِ (انْظُرْنَا) أي: انظُر إلينَا، مِن النظرِ في الأمرِ والعنايةِ بهِ، تفيدُ المُراد، وينتفي معها التلبيسُ الذي أرادَه اليهودُ.

وقد دلّت الآية على أصلٍ مِن أصولِ استنباطِ الأحكام (سَدّ الذّرائِعِ)، وهو استعمالُ ما ظاهرُه الجوازُ للتوصلِ به إلى المحظورِ.

(وَاسْمَعُوا) سماعَ مَن يعملُ بما سمعَ ويَقبلُ، لا سمَاعَ المكذِّبِ كمَا يفعلُ اليهودُ؛ يقولونَ سمعنا وعصينا، ولا سماعَ المنافقين؛ يقولونَ سمعنَا وهم لا يسمعونَ (وَلِلْكَافِرِينَ) المرادُ المنافقونَ من اليهودِ، فتكون (ال) للعهدِ، ووُصِفوا بالكفرِ زيادةً في ذمِّهم، ويدخلُ في حكمِهم كلُّ مَن عانَدَ عنادَهم، وأصمّ سمعَه عن قَبولِ الحقِّ (عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلمٌ لا يفتّرُ عنهم وهُم فيه مُبلسونَ.

بعد أن ذكر الله ذمهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم بيَّنَ أنّ سببَهُ الحسدُ، فهذه هي حقيقةُ ما يمنعُهم مِن الإيمانِ بهِ، لا كمَا ادّعوا مِن أنّ الذي يمنعُهم إنّما هو التمسكُ بكتابِهم، وأنّهم لشدةِ حرصِهم عليه لَا يريدونَ أنْ يخلطوا به غيرَه، كما ذكر الله تعالى عنهم: (وإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤمِنُ بِما أُنزِلَ عَلينَا).

(يَوَدُّ) مِن الوُدّ، ومعناهُ محبةُ الشيءِ مع تمنِّيهِ والحرصِ عليه (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) (مِن) بيانية، بينت مَن هُم الذين كفروا، وأنهم أهلُ الكتابِ اليهودُ والنصارَى (وَلا الْمُشْرِكِينَ) ذكر المشركينَ للاحتراس، حتّى لا يظنّ عدم دخولِهم، أُضيفوا فهم أيضًا - مع مَن قبلهم - لا يتمنّونَ ولا يحبُّونَ (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وجملة (أن يُنزل) في موضع المفعولِ لِيودّ، أي: ما يودّون نزولَ خيرٍ عليكم، و(خَيرٍ) نائبُ فاعلٍ يُنزّل، ودخلتْ عليه (مِنْ) لتأكيدِ نفي مَّوَدَّة الخيرِ لكم، والخيرُ: النعم والفضائلُ، وكلّ ما ينفعُ المسلمين في الدنيا والآخرة، وهو معنى الرحمةِ الآتيةِ في قولِه: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ)، وفي مقدمة هذا الخيرِ، الذي لا يتمنونَه للمسلمين؛ إقامة دينِهم، وما جاءهم به هذا الدين مِن القرآنِ والحكمة، والنصرة والتمكينِ (مِن رَبّكُم) مِن ابتدائية، فالخيرُ ابتداؤه ومنشؤه مِن ربّكم، لا مِن غيرِه، وجيءَ باسمِ الربّ سبحانَه هنا؛ لأنّ الخيرَ ونزولَ النعمِ يناسبُه اسم الربوبيةِ، لِما في معناه مِن معنى الرعاية والعناية بالمربوبِ، على حين أنَّ اختصاصَ أحدٍ بالرحمةِ لتصيبَه هو دون غيره، لمَّا كانَ مبنيًّا على المشيئةِ ناسبَهُ اسمُ الألوهيةِ، فقال: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) يختصّ بهذا الخير - مِن الوحيِ والنبوءةِ ونِعم الإسلام التي حسدُوكم فيها - الله يختص بها مَن يشاءُ مِن عبادهِ، فلا يجبُ عليه شيءٌ سبحانه، وليس لأحدٍ عليه حقٌّ إلا ما شاءَهُ وأرادهُ بمحضِ فضلِهِ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[1] (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فضلُه عميم على جميعِ خلقِهِ، فاختصاصُه لبعضِ خلقهِ بالوحيِ والنبوةِ، أو النصرِ والتمكينِ، أو العلمِ والفضلِ، أو العافيةِ والغنَى والجاهِ، وحرمانُه لآخرينَ ليسَ لضيقِ فضلِهِ؛ بل لمشيئتِهِ وحكمتهِ وعدلِه، ثم إنّ اختصاص فضله بالنبوءةِ - التي حسدوا عليها النبي صلى الله عليه وسلم - يختلفُ عن اختصاصِ غيرِها مِن الفضائلِ، فالنبوءةُ اصطفاءٌ مِن اللهِ، لمَنْ عَلمَ اللهُ أَنَّهُ أهلٌ لهَا، ولمن خلقَ اللهُ فيه القابليةَ لتلقّي الوحيِ؛ قال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ)[2] فليستِ النبوءةُ حاصلةً بالاكتسابِ والاجتهادِ، وذلك لخطرِ أمرها، بِخلَافِ غَيرِها مِن الفضَائِلِ، فتُكتسبُ بالجدِّ والمثابرةِ؛ كالجدِّ في التعلمِ لرفعِ الجهلِ، والجدِّ في الكسبِ لرفعِ الفقر، وتحصيلِ الصلاحِ بالتزامِ الطاعاتِ وتركِ المعاصِي، فذلك للجدِّ والتدبير فيه نصيبٌ، مع التوكلِ في طلبِه على اللهِ، والتزامِ طاعتِهِ، والسعيِ في مرضاتِه؛ ليكونَ أهلًا لمحبتهِ وعونهِ وتوفيقه، وقدْ ثبت عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ)[3].



[1] [الأنبياء:23].

[2] [الْأَنْعَام:124].

[3] [رواه الحاكم في المستدرك:6335].

2017-02-04 تاريخ الإضافة: 0 84 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 62- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (62).

 

(وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَ