البدء في نشر حلقات من كتاب ( المنتخب من صحيح التفسير ) للشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني تباعا                            تنبيه بخصوص ما ينشر على الصفحات المخترقة للدار ومحبي الشيخ الصادق الغرياني                            إطلاق النار في الهواء لا يجوز ومن فعله فهو آثم وعليه إن تسبب في قتل أحد الصومُ والعقوبةُ. الصادق بن عبد الرحمن الغرياني                            إلى الإخوة الأفاضل زوار الموقع: يمكنكم إرسال أسئلتكم واستفساراتكم الشرعية إلى البريد الإلكتروني fatwa@ifta.ly الخاص بدار الإفتاء                            رقم الإفتاء الموحد المجاني 1413                           
5 شهر رمضان 1438هـ الموافق الثلاثاء 30 مايو 2017م
 
Share |
           
2017-05-12 تاريخ الإضافة: 0 93 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 71- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (71).

 

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [البقرة:125 – 126].

 

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ) البيت: الكعبة المشرفة، وقد عُرفَت بالبيت من عهد الجاهلية، وأصلُ (أل) في البيت للجنس، وصارَ علمًا على الكعبة بالغلبة؛ كالنجم للثريا، والكتاب للقرآن، وبذلك تصير لامُه للعهد، أي البيت المعهود.

 

 (مَثَابَةً) المثابةُ: المرجعُ، والمكانُ الذي يرجعُ إليه الناسُ المرةَ بعد المرةِ، ويقصدونه بالتعظيمِ، ويلوذونَ به.

واللام في الناس للجنس، فلا يلزم منها رجوع كل أحد زاره بعينه، بل جنس من أتاه في مجموعهم، لا جميعهم يرجع إليه، فيصدق على الواحد منهم وعلى أمثاله.

(وأمْنًا) الأمنُ: حفظ الناس في دينهم وأبدانهم وأموالهم وأعراضهم مما يضرُّ بهم ويخيفُهم، وأدواتُه كثيرةٌ ومتنوعةٌ في المجتمعات المتمدنة، وفي كلِّ مجتمع بحسبه؛ فكفّ الظلمةِ والأخذ على أيديهم والانتصاف منهم وردّ المظالم أمْنٌ، وتمهيدُ السّبلِ وإنارةُ الطرقِ، ومراقبة الأسعار والسلع، وحراسةُ الحدود، وتوفير الغذاء والدواء، وإقامة العدلِ أمْنٌ، والعملُ على استقرارِ البلد، وحفظُ المالِ العام مِن السرقةِ والنهب، وحسنُ اختيارِ مَن يتولى أمرَ الناسِ، وتكثيرُ سوادِ أهلِ الحق، والإنكارُ على الظلمةِ وقطاع الطرق، والتخلصُ مِن العصبيةِ القبلية والجهوية ودعوى الجاهلية أمنٌ، والأمنُ في الآية مصدرٌ أُخبر به عن البيت؛ مبالغةً، حتى جعل كأنّ البيت هو الأمنُ نفسه، على معنى أنه سببٌ ضامنٌ للأمن، وهو إِخبَارٌ مِن اللهِ تعالى عَن تَعظيمِ حُرمَتهِ فِي الجاهِليَّةِ، نِعمةً منهُ عليهم، وعلى مَن بعدَهم، إذ لم يكن للناسِ في الجاهلية شريعةٌ ولا قانونٌ يردعُهم، وكان الحكمُ للقوة، فامتَنّ اللهُ عليهم بالبيتِ، وجعله أمْنًا؛ ينكفّ فيه القويّ، ويأمنُ فيه الضعيف؛ كما قال سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)  ([1])، والآية: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا) خبريةٌ لفظًا طلبيةٌ معنًى، أي: اجعلوه ملاذًا للخائفِ، وأمّنُوا فيه الناس، على حدِّ قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ)([2]) (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ)([3])، فلا تعارض بينها وبين ما وقع مِن فزع الناسِ في الحرمِ مراتٍ عديدة، على مَرِّ التاريخِ، حتى إنّ الناسَ حُوصِروا وأُرهِبوا داخله لعدةِ أيامٍ في السنين الأخيرة؛ لأنّ ذلك من التعدي على الحرم، المخالف لأمر الله بتأمين مَن التجأَ إليه، فهو من نوع ما حذّر الله منه في قوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ)([4]).   

 

(وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قرأها نافعٌ وابنُ عامر بفتح الخاءِ، على أنه فعلٌ ماضٍ، عطفًا على جعلْنا، خطابٌ لمَن قبلنَا، أو لنَا معهم أيضًا، على أنّ الجملة خبريةٌ لفظًا طلبيةٌ معنًى، وقراءةُ الجمهور بكسرِ الخاء، أمرٌ على إضمارِ القول، أي: وقلنا اتخِذوا مقامَ إبراهيم مصلًّى، فتكونُ خطابًا لنا، و(مِنْ) بيانيةٌ.

والمَقامُ بالفتحِ موضعُ القيامِ، والمراد به الحَجَر الذي به أثرُ قَدميهِ عليه السلام، وكان إذا وطِئه يلينُ ويصير كالطينِ؛ معجزةً له، أو موضعُ الحجرِ الذي به الأثرُ، توسعًا، وذلك حين كان يرفع بناء البيتِ (مُصَلًّى) مكانًا للصلاة، وصحَّ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "وافقتُ ربي في ثلاث؛ فقلت: يا رسول الله؛ لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فأُنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)"([5]).

 

 (وَعَهِدْنَا): العهد أمرٌ بمعنى الوصية، ولذا عُدّي بـ(إلى) (أَنْ طَهِّرَا) (أَنْ) يصحُّ أن تكون مصدرية، وحَذفُ حرف الجرِّ معها قياسي، أي: بتطهير البيت، ويصحُّ أن تكونَ تفسيريةً، وسوَّغ ذلك وجودُ معنَى القولِ في (عهدْنا)، فيصير قوله: (أنْ طَهِّرَا) تفسيرًا لعَهِدْنا.

وتطهيرُ البيتِ تنظيفُه مِن الأوساخ والقاذوراتِ الحسية؛ كالنجاسات، ومِن الأدران المعنوية؛ كالأصنام والفحش، والخصام، وبذيءِ الكلام، ودخول غيرِ المسلم إليه، وعمّا يخلّ بالمروءةِ؛ كالطوافِ بالبيتِ عُرْيًا، كما كان عليه أهل الجاهلية، وذكرتِ الآيةُ أصناف المتعبدينَ بالمسجدِ الحرامِ (لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)؛ فمنهم الطائفُ بالبيت، ومنهم المعتكفُ، ومنهم القائمُ يصلّي راكعًا وساجدًا، ولم يعطف السجود على الركوع في قوله: (الركَّعِ السّجودِ) - كما في باقي أوصافِ المتعبِّدينَ الأخرَى - لتلازُمِ الركوع والسجودِ، فلو عُطفتا لأوهَمَ أنهما مفترقان.

 

 (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) وُصف البلد نفسه بأنه آمنٌ، على وزن فاعل؛ للمبالغة، والمرادُ ذو أمنٍ، فتكونُ صيغةُ فاعل للنسبةِ؛ كما في قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ)([6]) ذاتِ رضا، أو اجعل آمنًا أهله؛ كقولهم: ليلٌ نائمٌ، أي: نائمٌ أهلُه، من المجاز العقلي، على حدّ: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ)([7])، لعلاقة المكانية. 

 (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (أهل) اسمُ جنس مضافٌ يَعمّ، و(مَن آمَن) بدلُ بعضٍ مِن كلٍّ مِن قوله: (أهله)، و(مِن) بيانية، والثمَرات جمع ثمَرَة، وهي ما تحملُه الشجرةُ ويؤكل رطبًا، فإذا يبسَ صارَ تمرًا، بالمثناة. 

(قَالَ وَمَنْ كَفَرَ) القائل هو الله سبحانه، وهو على إضمار فعلِ قُل، أي: قال الله له: قُل: وارزق مَن كفرَ أيضًا، ويكون من عطفِ التلقين، المتقدم في قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَتِي)، فإنّ إبراهيم عليه السلام عندما ذكرَ له ربُّه: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) كأنّه استشعر أن الرزق كذلك لا يناله الظالمونَ، فذكر الله له أن الرزقَ مِن متاعِ الدنيا، لا يمتنع طلبُه للكافر، فهو يصيبُ البرّ والفاجرَ، كما قال تعالى: (كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ)([8])، وهذا على جعل (مَنْ كَفَرَ) مِن عطف التلقين، الذي تقدم في  قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَتِي)، ويجوز أن يكون قول الله سبحانه وتعالى: (وَمَنْ كَفَرَ) عطفًا على مقالة إبراهيم عليه السلام: (مَنْ آمَنَ) بلفظِ الخبر، أي: أرزقُ مَن آمَن ومَن كفرَ.

 

(فَأُمَتِّعُهُ) خبر الموصول (مَنْ كَفَرَ)، واقترن الخبر بالفاء لشبه الموصول بالشرط، وقوله: (قَلِيلًا) وصفٌ لمصدر محذوفٍ، قَيد للمتاع في قوله: (فَأُمَتّعُهُ)، أي: أمتعه متاعًا قليلًا، فإنْ قيل: الفاء الواقعة في الجوابِ للسببية، ومعناه أنَّ الموصولَ سببٌ في الجوابِ، والكفر لا يصلحُ سببًا للمتاع، يقال: الكفر ليس سببًا في المتاعِ، وإنّما سببٌ في قِلّته، الذي دلَ عليه (قَليلًا)، أو هو سبب في لحوقِ العذابِ بالكافر، المفهومِ من قوله: (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ).

و(أَضْطَرُّهُ) ألجئُه، مِن اضطَّرَه أوقَعهُ في الضّرورة، وأصلُها أضترّ أفْتَعل، قلبت التاء طاءً، قلبًا صرفيًّا للخفة، والمعنى أنّه سريعًا ما ينقضِي هذا الرزق والمتاعُ، مِن متاعِ الدنيا القليلِ، وفي القيامةِ يجدُ الكافر نفسه مضطرًّا إلى عذابِ النارِ، ليس له منه افتكاكٌ ولا مَناصٌ، كما قال سبحانه وتعالى: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)([9])، (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) الواو للحال، وبئسَ مِن أفعال الذمِّ، والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديرُه: هي، أي: وبئسَ المصير للكافرين النار.

 



[1]) العنكبوت: 67.

[2]) البقرة: 228.

[3]) البقرة: 233.

[4]) الحج: 25.

[5]) البخاري: 393.

[6]) الحاقة: 21، والقارعة:7.

[7]) يوسف: 82.

[8]) الإسراء: 20.

[9]) الطور: 13.

 

2017-04-24 تاريخ الإضافة: 0 92 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 70- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (70).

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة:122 – 124].

 

نداء آخر لبني إسرائيل، مماثل للنداءِ المتقدم، يذكرهم بالنعم، والقيام بها، والتخويف من تضييعِها، ويتَوَعّدهم بالقيامة وأهوالها، وما ذكر هناك يوضحُ ما هنا.

 

وتكرير هذه الآية في النداء لبني إسرائيل على نحو ما سبق، من التأكيدِ والمبالغةِ في النصح لهم، ومِن رد الصدر على الورد؛ للانتقالِ من الكلام عن بني إسرائيل ومحاجة أهل الكتاب، إلى فضائل نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومنزلته، وبنائه للكعبة المشرفة، وحِجاج المشركين.

 

(وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ) أصلُ (ابتلى) اختبر، وابتلاء أحدٍ يعني التعرّف على حاله، والوقوفَ على ما يُجهل من أمرِه، ويعني أيضًا تكليفَه؛ لإظهار ما به مِن  فضائل أو نقائص، والمراد هنا المعنى الثاني، وهو التكليف لإظهار الامتثال، لا التعرّف على حاله؛ لأنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية (بِكَلِمَاتٍ) جمع كلمة، وتطلقُ الكلمة على اللفظ الواحد المفرد، وعلى جملة من الكلام، وعلى خطبةٍ كاملةٍ، والمراد بالكلمات التي ابتلي بها إبراهيم صلى الله عليه وسلم أنواع من تكاليف الأحكام والسنن والآداب، اختصّ الله تعالى بها نبيهُ إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكلفه بها؛ ليُهيأه للرسالة، وعلى رأسِها خصال الفطرة، ومنها أمرُه بذبحِ ابنِه، ومن المفسرين مَن ذكر أنها ثلاثون خصلة؛ عشر في سورة التوبة: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)([1])، وعشر في المؤمنون والمعارج: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)([2]) إلى آخر الآيات مع حذف المكرر، وعشر في الأحزاب: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)([3])، ولا دليل على تعيين ما ذهبوا إليه.

(فَأَتَمَّهُنَّ) وَفَّى بها، وأدَّاها على وجهِها، وقام بها خيرَ قيام، كما قال سبحانه وتعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ)([4]).

(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) الإمام مَن يؤتمُّ به، ويعهدُ إليه التقدمُ في القيامِ بأمرِ الشارع، بما في ذلك النبوّة، والقيام بالخلافة والقضاء، وإمامةِ الصلاةِ والإفتاءِ، والشهادةِ، ورواية الحديث، فكل ذلك إمامة؛ لأنه قال إمامًا، ولم يقل نبيًّا، وذلك ليشملَ كلّ مَن يقتدَى به من أصحابِ المناصبِ الشرعية، وقد اتفق أهل العلم على أنه لا تنعقد هذه المناصب الدينية لفاسقٍ؛ لأن شرط توليها العدالة، ولأنّ الله تعالى قال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) وإذا تولاها متصفٌ بالعدالة ثم فسق، فقال قومٌ تُسلب ولايته، ولا تجبُ طاعتُه، واختاره بعضُ أهل العلم؛ لقوله تعالى: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، وللمنافاة بين وصفَي الإمامة والظلم، فالجمع بينهما محالٌ، ابتداءً ودوامًا، وقال آخرون الدوامُ ليس كالابتداء، والمنافاة في الابتداءِ لا تقتضي المنافاة في البقاء؛ لأنّ الدفعَ أسهلُ من الرَّفع (قَالَ) إبراهيم عليه السلام (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) مِن للتبعيض، والتقدير: اجعلني إمامًا، واجعل من بعضِ ذرّيتي أئمة.

ويصح جعلُه معطوفًا على جاعلك، أي قال الله: إنّي جاعلك إمامًا، قال إبراهيم ملتَمِسًا: وجاعلٌ من ذريتي إمامًا، وسمّوهُ عطفَ التلقين، والأولى به في هذا المقام وشبهه أن يسمّى عطفَ الالتماس، وذلكَ عندما يضيفُ السامع إلى كلامِ المتكلم ما يتمنى أنْ يشملَه كلامُ المتكلم، كما لو قال أحدٌ: سأكرمُك، فتقول: وزيدًا، ومنه على وجهٍ: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ) عطفًا على (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) ومن السنة قول جَرِير بن عَبدِ اللهِ البجلي رضي الله عنه: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْإِسلَامِ، فَشَرطَ عَلَيَّ: (وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)([5])، وقول عبد الله بن الزُبير لأعرابيٍّ استجداه فلم يعطِه، فقالَ الأعرابيّ: "لعَن الله ناقةً حملتني إليك، قال ابن الزّبير: إنّ وراكِبَها"([6])، (عَهْدِي) العهدُ التكليفُ بالأمر، وهو فاعلُ ينالُ، والظالمينَ مفعولٌ، على القاعدةِ عندمَا يلي الفعلَ اسمُ ذاتٍ واسمُ معنى، يقدّمُ في الإسنادِ اسم المعنَى على الذاتِ.  

وقول إبراهيم عليه السلام (ذُرِّيَتِي) دون (عقبي) تماشيًا مع فطرة الإسلام، التي لا تفرق بين أبناء الأبناءِ وأبناءِ البنات، خلافًا لمفهومِ الجاهلية، الذي يقولُ قائلها:

بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا

بَنُوهَنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ ([7])

والمخالف لِما وصّى به الإسلامُ، مِن الاستيصاءِ بالنساءِ خيرًا، وتكريمه للبناتِ وللأمهاتِ، والتبعيضُ في قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) مِن التأدبِ في الدعاءِ، لعلمِه أنّ سننَ الله لم تجرِ بأن تكون الذرية المتعاقبة مِن نسل واحدٍ كلّها صالحةٌ، فلم يسألْ ربّه المستحيل.

 

وأجابه الله تبارك وتعالى بأن الإمامةَ لا تكونُ إلا للبررةِ الأتقياءِ الصالحين، وهو ما يتوافقُ مع أدبهِ صلى الله عليه وسلم في الدعاء، بذكرِ التبعيضِ، الدالّ على الاحتراس في الطلب لذريته، والدالّ على أنها تكليفٌ وعهد، لا يحقُّ أن يتولاها الظلمةُ، وأهلُ الفجور والفساد.

والاقتصارُ على وصفِ الفريقِ الذي لا يستحقُّ الإمامةَ - وهم الظلمة - دونَ وصفِ مَن يستحقُّها مِن الصالحين، من بابِ الاكتفاء؛ لأنهمَا ضدَّان، والحكمُ على أحدِ المتقابلينِ يثبتُ نقيضه للآخر، ولِأَنَّ التَّحذيرَ مِن المفاسدِ مقدمٌ على الترغيبِ في المصالحِ، ويلتحقُ بالإمامة في هذا الشرطِ، كلّ المناصب الشرعية، التي مرَّ ذكرها.

 



[1]) التوبة: 112.

[2]) المؤمنون: 2 - 5.

[3]) الأحزاب: 35.

[4]) النجم: 37.

[5]) البخاري: 58.

[6]) تاريخ دمشق لابن عساكر: 28/260.

[7]) نسب جماعة هذا البيت للفرزدق.

2017-04-15 تاريخ الإضافة: 0 91 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 69- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (69).

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:119 - 121].

 (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) أسند الكلام في قوله: (إنَّا أرْسَلناكَ) إلى ضمير الجلالة، دون إنّ الله أرسلك - مثلا - تشريفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى كأنّ الباري يكلمه مشافهة (بِالْحَقِّ) ظرف مستقر، في  موضع الحال، والباء للملابسة: إنَّا  أرسلناك مؤيدًا ومصحوبًا بالحقّ (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)[1] مرغبًا ومرهبًا، حالان من الكاف في أرسلناك (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيم) قراءة الجمهور بضم التاء واللام (تُسألُ) خبرٌ، أي: لا تُسألُ ولا تُلامُ عن أعمالِهم إنْ لم يؤمنُوا، فلا تُكلَّف إلّا نفسَك بعدَ أنْ بلَّغتَ، وقراءة فتح التاء وجزم اللام لنافعٍ (تَسألْ) نهيٌ عن السؤال[2]، والنهي عن السؤال عنه للتهويل والتفخيم، حتى كأنّ الوصفَ لا يحيطُ به، والسامع لا يطيقُ سماعَه؛ لفظاظتهِ، فإنّ مِن أغراضِ النهيِ في البلاغة التفخيم، كما في قولِ عائشةَ رضيَ الله عنها عن صلاةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (يصلي أربعًا فلا تسلْ عن حسنِهنّ وطولهنَّ)([3])، وقولك: عن الملوكِ لا تسألْ، والآية تسليةٌ للنبيّ صلّى الله عليه وسلم، وتثبيتٌ له في مواجهةِ إعراضِهم، و(الْجَحِيمُ): المتأجِّجُ من النار.

(وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) الملة هيَ كالدِّينِ والشريعة، قال تعالى: (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) ([4])، وهي ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه، مِن أمْلَلْت الكتابَ فهو مملولٌ، ومنه: طريقٌ مَملولٌ، أي: مسلوكٌ معروفٌ، والفرق بين هذه الثلاثة؛ أنّ الملّة لا تُنسب إلى الله، فلا يقال: ملةُ الله، وتنسبُ إلى الأنبياءِ، كمَا في قولِهِ: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا)، ولا تُنسبُ إلى أفرادِ الأمة، فلا يقال: ملةُ عليٍّ، وتُطلق على ملةِ الباطلِ، فيقال: الكفر ملةٌ واحدةٌ، والدِّينُ ينسب إلى الله، وإلى آحادِ الناس، ويُطلق أيضًا على الحقِّ وعلى الباطلِ.

والشريعةُ اسمٌ للأحكام الجزئية المتعلقةِ بالمعاشِ والمعادِ، سواء كانت منصوصةً بالوحيِ، أو راجعةً إليه، وأُعيدَ حرفُ النفيِ مع العطفِ في قوله: (وَلَا النَّصَارَى) ليدلَّ على استقلالِ عدمِ رضاهُم عنهُ، وعن دينِ المسلمينَ، وأنهم ليسوا فقط تبعًا لليهود.

والآية مبالغةٌ في تيئيس النبيِّ صلى الله عليه وسلم منهم؛ لأنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم - وهو لن يتبع ملتهم - فيكونُ انقيادُهم له مُحالًا، فهو من التعليق على ما لا يحصلُ، كنفيِ دخولِهم الجنةَ حتّى يلجَ الجملُ سمَّ الخِياط.

(قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ) هدى الله الإسلامُ، هو الهدى حقيقةً، فهو الحقّ، لا ما تَدعونَ إليه، فقد جاء الردّ عليهم بأبلغِ وجهٍ، أُكدَ بعددٍ مِن المؤكِّدات؛ وهيَ إنّ، وضمير الفصل، وإضافة الهدى إلى الله، وإعادة الهدى في الخبرِ مرة أخرى، على حدِّ قولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (فمَنْ كَانَتْ هِجْرَتهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ)([5])، وقول أبي النّجم: أَنا أَبو النَجمِ وَشِعري شِعري، وتعريف طرفي الإسناد، المفيد لقصرِ الهدى على الإسلام، مِن قصرِ الصفة على الموصوف.

(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم) (وَلّئِنِ) اللام موطئة للقسمِ، تأتي قبل أدواتِ الشرط، وتكثر قبل (إنْ) الشرطية، ولسبقِ لامِ القسم على الشرطِ يُجابُ القسمُ بعدَها دون الشرطِ (أَهْوَاءَهُمْ) الأهواء جمع الهوى، وهو: ما تهواه النفوسُ وتشتهيهِ على خلافِ الدليل، ممّا تدعو إليهِ ملّتهم الباطلة، وأتي بالظاهر (أهواءَهمْ) دون الاكتفاء بإعادة الضمير على الملةِ؛ تأكيدًا على مُلازمةِ الهوَى لهم، تنفيرًا مِن اتِّباعهم (بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) مِن الوحي والدين المعلوم صحته (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) إن اتبعت أهواءهم ليس لك مولى ولا نصير، يمنع عنك عاقبة السوء، وتقدم الفرق بين الولي والنصير قريبًا، و(مِن) في: (مِنْ وَلِيٍّ) لتأكيد النفي، وجملة (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ) جواب القسم؛ لأنها لو كانت للشرط لاقترنت بالفاء، والخطابُ للنبي صلى الله عليه وسلم، والمقصود كلّ أفراد أمته، كالخطابِ في قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)([6])، والمرادُ من النهي عن اتباع أهوائهم التحذيرُ مِن إطماعِهم في النيلِ من الدين، بمداهنتهم وموافقتهم في باطلِهم، كما يفعلُ بعضُ من يتورطُ معهم فيما يعرف بحوار الأديان، وجيءَ بـ(إنْ) الشرطيةِ، الدالة على ضعفِ احتمالِ وقوع ما بعدَها؛ لأنّ اتباع أهوائِهم الشأنُ فيه أنه احتمالٌ ضعيفٌ في حقّ المؤمنين.

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ) الذين آتيناهم الكتاب؛ هم كلّ مَن آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة، ومَن آمن مِن أهل الكتابِ، مثل عبد الله بن سلام من اليهود، وعدي بن حاتم وتميم الداري من النصارى، فحقّ التلاوةِ لكتابِهم وكتاب المسلمين يعمُّهم.

و(الكِتَابَ) المراد به جنس الكتاب المنزل من عند الله، كالقرآن والتوراة والإنجيل، فأَلْ فيه للجنس، و(يَتْلُونَهُ) حال مقدرة من (الّذينَ آتَينَاهُم) أيْ: حالةَ كونِهم الآنَ يتلونَه حقَّ تلاوتِه، وإنْ كانَ منهم من لم يكن مِن قبل يفعلُ ذلك، و(حَقَّ) مفعول مطلق، مضاف إلى مصدر الفعل يتلونه، وهو (تِلاوَتِهِ) مِن إضافة الصفةِ إلى الموصوفِ، فمُؤمِنُو أهلِ الكتاب من اليهود والنصارى، الذين لم يحرِّفوا كتابهم، يتلونَه حقّ تلاوتِهِ، ويتلونَ القرآنَ كذلك حقَّ تلاوته، والمسلمونَ يتلونَ كتابهم القرآنَ حقّ تلاوتِهِ، فالضميرُ في (يتلونَه) وفي (تلاوتِهِ) عائدٌ إلى جنسِ الكتابِ، بالمعنى المتقدمِ.

وحقّ التلاوةِ يتطلبُ الأداءَ السليمَ لحروفهِ، والتدبرَ في معانيه، والعملَ بأحكامِهِ، وبالأوامرِ والنواهِي، وتحليلَ حلالِه وتحريمَ حرامِه، ويتطلبُ عدمَ التحريفِ، والإيمانَ بكلِّ الكتبِ، لا الإيمان ببعضِها والكفرَ ببعضِها (أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) خبر المبتدأ، والإشارة إليه بالبعيد؛ لعلوّ رتبة ما اشتملت عليه أوصافهم من التلاوة الحقّة، وضمير بهِ راجعٌ إلى جنسِ الكتابِ (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) مَن كفرَ به فحرّفه، أو آمن ببعضه وكفر ببعضٍ خسرَ، واستحقّ الخلودَ في النار، ودلّ خُسران مَن كفرَ به على فوزِ مَن آمنَ بكلّ ما أنزلَه الله، وتلاهُ حقّ تلاوتِهِ، ولم يحرِّفهُ، وهوَ مِن الإيجازِ البليغ، بالحذف مِن الأولِ لدلالةِ الثاني عليه.



[1]) بشيرا ونذيرا اسما فاعل بمعنى مبشرا ومنذرا، من بشّر وأنذر الرباعي، مما سُمع فيه فعيل بمعنى اسم الفاعل على غير قياس، كما تقدم في بديع بمعنى مبدع.

[2]) قراءة الجزم على النهي من عطفِ الإنشاء على الخبر، فيقدرُ معطوفٌ عليه محذوف، تقديره: فبشر وأنذرْ ولا تَسألْ.

[3]) البخاري:1147.

[4]) الأنعام: 161.

[5]) البخاري: 1، مسلم: 1907.

[6]) الزمر: 65.

2017-03-31 تاريخ الإضافة: 0 90 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 68- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (68).

 

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [البقرة:116 – 118].

نزلت (وَقَالُوا اتّخذَ اللهُ ولَدًا) لمَّا قال اليهودُ: عزيرٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالوا: الملائكةُ بناتُ الله سبحانه وتعالى.

(سبحانَه) سبحانَ منصوبٌ على المصدر، أُسبِّحه سبحانًا بمعنى أقدّسُه وأنزِّهُه عن النقائصِ، ومنها أن يكونَ له ولدٌ؛ لأن الولدَ والزوجَ نقصٌ واحتياجٌ، يكملُ به صاحبُه حاجتَه، واللهُ الغنيُّ الحميدُ، منزّهٌ عن الافتقارِ والحاجةِ.

(بَلْ) إضرابٌ وإبطالٌ للكلامِ السابق، وهو نسبةُ الولدِ لله سبحانه وتعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هذا كالدّليلٍ على إبطالِ ما تقدمَ، مِن نسبةِ الولدِ إليه، واللامُ في قوله: (لَهُ) للمِلكِ، فمَن في ملكِه وسُلطاتِهِ السماوات والأرض وما فيهنّ؛ كيف يحتاج للولد؟! لأنّ الولد يفتقرُ إليه الناقصُ؛ ليسدَّ به بعضَ حاجتِهِ، والله منزهٌ عن الحاجة، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) (مَا) تُستعملُ عند المحقِّقينَ للعاقلِ ولغيره، ولهُما مجتمعين كما هنا.

(كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) التنوين عوضٌ عن المضاف إليه، والتقديرُ: كلُّ مَن في السمواتِ والأرضِ - أي العالم بأسرهِ، علويه وسفليه - لهُ قَانِتونَ، في قبضته تحت سلطانه، والقنوتُ لزوم الطاعة والخضوع والانقياد، وجاء (قانتونَ) على صيغة جمع المذكرِ الخاصّ بالعقلاءِ مِن بابِ التغليبِ؛ ولأنّ قنوتَ العقلاءِ عن إرادةٍ واختيار، فهوَ أَبلغُ.

 

 واستدلَّ الفقهاءُ بالآية على أنّ مَن ملكَ ولدَهُ عُتقَ عليهِ؛ لأنّها نفتِ الولديةَ لله سبحانه وتعالى بإثباتِ العبودية، فدلّ على تنافِيهِما.

(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) بديعُ خبرُ مبتدأ محذوف[1]، هو بديع، والإبداعُ معناهُ الاختراعُ دفعةً واحدةً على غيرِ مثالٍ سابقٍ، فالسمواتُ والأرض وما فيهما من الأنواع والأجناسِ، لم يكنْ لها قبل خلقِهِ شبيهٌ ولا مثيلٌ.

(وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا) أرادهُ وقضَى أنْ يكونَ، قيل: قدرُ الله وقضاؤُه واحدٌ، والصحيح التفريق بينهما.

 فالقدرُ تقديرُ الله سبحانه وتعالى الأمورَ قبل أن تقعَ، والقضاء إنفاذُ ذلك القدَر، وخروجه من العدم إلى الوجودِ.

 (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) (كُنْ) مِن كانَ، وهي كان التامةُ، بمعنى أوجَدَ وأحدث، فإذا أرادَ إيجادَ شيءٍ فبمجردِ إرادةِ إيجادهِ يكونُ موجودًا، فإنّ مَن ملك السموات والأرض، وكان الكون كله في قبضته، لا يحتاجُ إلى سببٍ في إيجاد ما يريده، كما زعمتِ النصارى بنسبتِهم المسيحَ - لمَّا لم يكن له أبٌ - إلى الله، وإنما أمرُهُ سبحانه إذا أراد حصولَ شيء أن تتعلق به إرادتُه، فيحصلُ بلا توقّفٍ، فلا يحتاج سبحانه وتعالى حقيقةً في كلِّ إيجادٍ إلَى قولِ كُنْ، وإنّما هو تمثيلٌ للتقريبِ في سرعةِ إيجاد ما يريد.

 

(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ) الذين لا يعلمونَ هم كفار قريش، و(لولا) بمعنى هلا، تدل على التحضيض[2]، والحث على الفعل، وعلى تمنيهم أن تأتيهم آيةٌ من السماء ليؤمنُوا، وهم في ذلك مستهزؤون كاذبونَ، فقد بلغت بهم المكابرة والاستعلاء مبلغًا عظيمًا، حتى إنهم نزَّلوا أنفسَهم منزلةَ الملائكة والأنبياءِ، وطلبوا أن يكلمَهم الله جهرة، أو تنزل عليهم الملائكة، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا)([3])، ولمّا بلغَ بهم الجحودُ ذلك المبلغَ، عمُوا وصمّوا، وأعرضُوا عما يرونَه من المعجزات الباهرةِ، وأعظمها القرآنُ المعجز، تَرَكُوا ما بينَ أيديهِم وقالوا: (لَولَا تَأتِينَا آيَةٌ) يريدونَ: أيّ آيةٍ غير ما بينَ أيدِيهم، فالتنوينُ في (آية) للتنكيرِ، وكان مما اقترحوه مِن الآياتِ: (لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا) ([4]).

(كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ) الكاف للتشبيه، والمعنى: مثل قولهم في المكابرةِ والجُحود وتكذيبِ الآياتِ قال الذينَ من قبلهم؛ فقال قوم موسى عليه السلام: أَرِنَا اللهَ جَهرَةً، وقال قوم عيسى عليه السلام: أَنزلْ عَلينَا مَائدَةً مِن السّماءِ، ويمكن حملُ (كَذَلِكَ) على التفخيمِ والتهويلِ مِن الحَالِ التِي هم عليها؛ للتحذيرِ منها، لاستمرارِ حالِهم على ما قالَهُ الأوّلونَ، لأنّ في قولِه بعده: (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) ما يُغنِي عن التشبيهِ.

(تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) في الكفر والعمى عن الهدى، بسببِ العنادِ والجحودِ (قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) مَن يطلبون اليقينَ صادِقينَ مُنصِفينَ قد جاءتهم البيناتُ، ومِن أعظمِها القرآنُ المعجزُ، فنفعتهُم الآياتُ، ولا يزالونَ ينتفعونَ بها، فاليقين فيهم مستمرٌّ، وهذا سرُّ التعبير بالمضارعِ (يُوقِنُونَ)، الذي يفيدُ الاستمرارَ والتجدّد.                   

 



[1] وهو إنْ كان مِن الثلاثيّ بَدَعَ - وقد جاء قليلا - فلا إشكال أن يكون بمعنى فاعلٍ، كعليم وقديرٍ، بمعنى عالم وقادر، وإن كان من المزيدِ فمجيئه بمعنى اسم الفاعلِ مُبدع ليس بقياس، لكن سُمع في ألفاظٍ غيرِ قليلةٍ، كبديع في هذه الآيةِ بمعنى مُبدع، وسميع بمعنى مُسمع، في بيت عمرو بن معديكرب في مطلع قصيدة له، وقدْ أُخذَت أختُه ريحانة، فلم يقدرْ على افتِكاكِها:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ       يُؤَرِّقُنِي وأَصْحَابِي هُجُوعُ

وفيها البيت المشهور:

إذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شيئًا فدَعْهُ           وجاوِزْهُ إلى مَا تَستَطِيعُ

(السميع بمعنى المسموع، ويؤرقني: يحرمني النوم، وهجوم: نيام).

وسُمع منهُ بشيرٌ ونذيرٌ وقعيدٌ وحبيبٌ وقضيٌّ وهديٌّ ووصيٌّ وحكيمٌ وفريدٌ وأنيقٌ وأليمٌ، في أخوات لها جاءت بمعنى مُفعِل، ومَن رأى حملَ بديعٍ في الآية على القياسِ، ذهبَ إلى أن بديع هو على المبالغةِ؛ كوجيعِ وأليمِ، على حد قولِ القائلِ:

تحيةُ بينِهم ضربٌ وجيعُ.

أو صفة مشبهة من بدعَ، بمعنى بديعةٌ سماواتُه، وليس على اسم الفاعلِ.

 

[2]  لولا تكونُ للحضِّ على الفعل كما في الآية، وتكون حرفَ امتناع لوجود، كما في قولك: لولا الخيانة لانتصرنا، والفرق بين لولا في الموضعين؛ أنّ التي للتحضيض لا يليها إلا الفعلُ، إمّا ظاهرًا، كما في الآية: (لَولَا تَأتِينَا آيةٌ)، أو مضمرًا، كما في قولكَ: لولا العاملون في المصارف يوفرون السيولة، بخلاف لولا حرف الامتناع؛ فيأتي بعدها مبتدأ محذوف الخبر، كما في المثال السابق: لولا الخيانة لانتصرنا، وقد تكون لولا للاستفتاح.

[3]) الفرقان:21.

[4]) الفرقان:8-9.

2017-03-26 تاريخ الإضافة: 0 89 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 67- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (67).

 

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:114 - 115].

قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) نزلت فِي المشركين، عندما منع أهلُ مكَّة النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الدُّخول إلى مكَّة؛ كَما جَاء فِي حَدِيثِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ رضي الله عنه، حِينَ دَخلَ مَكَّةَ خِفْيَةً فِي عَامِ الحُدَيْبِيَةِ وقبلَها، حتى قَالَ أَبُو جَهْلٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: "أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ آمِنًا وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصِّبَاءَ"، وهذا العدوان متفرعٌ عَن تمني المُشرِكين عدم نُزولِ القُرآنِ على المسلمين، وتكذيبهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم، في قوله: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنـزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)[1]؛ ليتبينَ مِن ذلك أَنَّ ظلمَ المشركين فِي منعِ المسلمينَ مِن المسجدِ الحرامِ، وصدّهم عن سبيل اللهِ، هو ظلمٌ لَم يَبْلغهُ أَحدٌ مِمَّن قَبْلهُم.

(وَمَنْ أَظْلَمُ)[2] لا أحد أظلمُ ممّن منَع مساجدَ الله مِن أنْ تستعمَل فيما وُضعَت له، من العبادةِ والذكرِ والتعليم.

وَالظُّلْمُ وضعُ الشيء في غير موضعِه، ويكونُ بِالاعتداءِ على حقِّ الغيرِ، وكانوا أظلمَ الناس؛ لأنهم ضمُّوا إلى كفرِهم اعتداءَهم على حقّ المسلمينَ في عبادةِ ربِّهم، وصدّهم عن المسجدِ الحرامِ، وهم أحقُّ الناس به، وفي حكم المسجدِ الحرام في التحذير مِن المنعِ منهُ سائرُ المساجدِ الأخرى، فالله تعالى وضع مساجده في الأرض ليوحَّدَ فيهَا ويُعبدَ، وتنطلقَ منها الدعوةُ إلى الله لإظهارِ دينه، فمَن صدَّ الناسَ عنها، ومنَعَ أن تُرفع وتعمرَ بالصلاة والذكرِ وتعليمِ العلمِ، أو عطَّلها عن دورِها وعن القيامِ برسالتِها، وعطَّل دروسَها، وما يُقدم فيها مِن أعمالِ البرّ والقربِ؛ فقد فعلَ فِعل المشركينَ، في صدِّهم عن سبيلِ الله وعنِ المسجدِ الحرامِ، لا أحد أظلم منه، وكذلك تعطيلُ ما يشبهُها؛ من الزوايا ومراكز التحفيظ ومدارسِ ومعاهدِ العلمِ، التي بُنيت لعبادة اللهِ وتعليمِ الخلقِ. 

ولعلّ في التعبير بصيغة الجمعِ (مَساجِدَ اللهِ) ما يشيرُ إلى هذا التعميمِ في الحكم، وليس هو خاصًّا بسببه - وهو المسجد الحرام - بل يعمُّ كل مسجدٍ، ويعم ما في معنى المسجد مِن دورِ العبادةِ والعلمِ، ويدخلُ المشركون في الصدِّ عن الكعبةِ دخولًا أوليًّا، على قاعدةِ ورودِ العام على سببٍ خاصّ، وتكونُ الإضافة في (مساجِدِ اللهِ) على معنى اللامِ التي للاستغراقِ، ولا يدخلُ في المنعِ مِن المساجدِ المتوعّدِ عليه المنعُ بحقٍّ؛ كمنع أهلِ السوء، وجواسيسِ السلطانِ المعادي للدينِ ومخابراتهِ، ولا منع الجهلةِ وغير المؤهلينَ، الذين يفتون الناسَ في المساجدِ بغير علم؛ فيَضِلّون ويُضلون، ولا منع الغلاةِ - المنحرفين عن سواء السبيل ووسطيةِ الدِّين - من الدروس والمنابرِ، وإن زعمُوا أنهم به متمسّكون، ولا غلق المسجدِ  في غير أوقاتِ العبادة؛ لحفظِهِ وصيانته، وقد سُئل ابنُ عرفةَ عن ذلكَ فقال عن غلقِه لهذا الغرضِ: "حفظٌ وصيانةٌ"، وهوَ كمنعِ الجنبِ والحائضِ منه، ومنعِ آكلِ الثومِ، وكمنعِ مُنشدِ الضالّة، ومنعِ عمرَ رضي الله عنه الحديثَ فيه للدنيا... إلخ.

ولا تعارض بين قولهِ هنا: (ومَنْ أظلَمُ ممَّن مَنَعَ مساجِدَ اللهِ)، وقولِه في الآيةِ الأخرَى: (وَمَنْ أظْلَمُ ممَّنِ افْترَى علَى اللهِ كَذِبًا)[3]؛ لأن المعنى أنّ ظلمَ مَن منَعَ مساجدَ الله أشدُّ مِن ظلمِ غيرِه، غير ظلمِ الافتراءِ مثلًا، لا أنَّه أظلمُ الناسِ، وكذا مَن افترَى الكذبَ ظلمُه أشدُّ مِن ظلم غيرِه، غيرِ المنعِ منَ المساجدِ، لا أنّه أظلمُ الناسِ على الإطلاقِ؛ لأنّ ظلمَ الكفرِ أشدُّ منه قطعًا.

أو أنّ المفاضلةَ في الظلم هي بين أفراد النوعِ الواحدِ، الوارد التحذيرُ فيه؛ فالظلمُ المتعلقُ بالمساجدِ أشدُّه المنعُ منها، والظلم المتعلقُ بالكذبِ أشدُّه الافتراءُ على اللهِ، وهكذا.

(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) أصلُ السّعيِ المشيُ والمضيُّ، والمرادُ به التسببُ المقصودُ في الفسادِ والخرابِ؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾[4]، وعُدي الفعلُ بـ[في] الدالةِ على التعليل، أي: سَعَى لأجلِ الخرابِ والفسادِ. 

(أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) الإشارة بأولئكَ إلى مَن منعَ المساجدَ، وسعَى في خرابِها، واللامُ في لهم للاستحقاقِ، أي: لا يحقُّ لهم دخولُها بعدَ أنْ فعلوا ما فَعلوا إلّا خائفينَ، وهو بيانٌ للجزاءِ الذي يستحقّونه؛ في الدنيا الذي هو الخوفُ والمذلةُ، وفي الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ، عذابُ الظالمينَ، وقد تحققَ هذا الوعيدُ في الدنيا بالخوف والمذلةِ - لمَن صدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسجدِ الحرام - يومَ فتحِ مكةَ، حتّى نادَى المنادي: مَن دخلَ المسجدَ الحرامَ فهو آمنٌ، فدخلُوهُ يومَها مذعورينَ، هروبًا مِن السيف.

أو أنّ المعنى: ما كان ينبغي لمن منعَ مساجدَ الله مِن أهلِ الباطلِ، أن يدخلُوا المساجدَ إلّا خاشعينَ لله، خائفينَ، لا أن يكونُوا مستكبرينَ مُفسدين.  

(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) الْمَشْرِقُ اسم مكان مَوضِع الشُّرُوقِ، وَالْمَغْرِبُ مَوضِع الغُرُوبِ، أَي: للهِ الجهات كلّها، فهي مشارق ومغاربُ، وله ما بين الجهاتِ، مِن الأراضي والسماواتِ وسائرِ المخلوقات.

وإضافة المشرق والمغرب إلى الله للتشريفِ، كما هي في بيتِ الله، وناقة الله، وتشريفُها من جهةِ أنها في قبلةِ الصلاة، فمن النّاس مَن تكونُ مكة إلى شرقِهِ، ومنهم من تكونُ إلى غربهِ، وتتفاضلُ الجهاتُ بتفاضل التقرُّبِ بها إلى الله، قال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلّي وَهُوَ مُقْبِلٌ مِن مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيه نَزَلَتْ: (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)"[5].

(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجهُ اللهِ)[6] المعنى: إلى أيِّ جهةٍ وليتُم وجوهَكم، راكبينَ في سيرِكم وقتَ سفرِكم (فثَمَّ وَجهُ اللهِ) فتلكَ القِبلَةُ التي تصلّونَ؛ كمَا جاءَ عن ابنِ عمر. 

(إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) وسعتْ رحمتُه وأحاطَ علمُه بكلِّ شيءٍ؛ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)[7].



[1] البقرة:105.

[2] مَن مبتدأ وأظلمُ خبر، وجملة (أَنْ يُذكَرَ) بدلٌ مِن مساجد، وأصل مَن الاستفهامية نكرةٌ موصوفة، فالكلام من النكرة في سياق النفي التي تفيد العموم.

[3] الأنعام:93.

[4] النازعات:22.

[5] مسلم: 700.

[6] أينَمَا أداةُ شرط، منصوبةٌ على الظرفية، و(تُولُّوا) فعلُ الشرطِ مجزومٌ، و(أَينَ) هي العَامِلَةُ، ومَا زَائِدَةٌ، وجملة (فَثَمَّ وَجهُ اللهِ) جوابُ الشرط، وثَمَّ ظرفُ مكانٍ مبهمٌ مبنيٌّ على الفتحِ للبُعدِ، مثل (هناك).

[7] غافر:7.

2017-03-08 تاريخ الإضافة: 0 88 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 66- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (66).

 

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)[البقرة:110 – 113].

 

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ بعد أنْ أمرهم بالعفوِ والصفحِ، أمرَهم بما يعينُ على العفوِ والصفحِ وتحمّلِ الأذَى، وهو تزكية النفوس بأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فذلك مِن شأنهِ أن يثبتهم على الإيمانِ ويهذبَهم.

﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يضرُّكُم أنَّ أعداءَكم لا يقدِّرونَ العفو والصفحَ عنهم، فما تقدمونَه مِن خيرٍ - صغيرًا كانَ أو كبيرًا، مِن هذا العملِ أو مِن غيرِه - تجدونَه محضَرًا عندَ اللهِ يومَ الجزاء، ومهما تغافَلَ الناسُ عنهُ فإنّ اللهَ بصيرٌ بهِ، مطَّلعٌ عليه، فلا يمكنُ أنْ يلحقَهُ في الحسابِ تَطفيفٌ ولا نَقصٌ، وهذا الوعدُ للمؤمنين بالثوابِ، يتضمنُ وعيدًا لغيرِهم بالعقابِ.

(وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾ الجملة معطوفة على جملة (وَدَّ كَثيرٌ) وضمير (قالُوا) لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، و(هُودًا أو نَصَارَى) خبرُ كانَ، جاء جمعًا مراعاةً لمعنَى (مَن) في قوله: (مَن كانَ هودًا) وجاء اسمُها ضميرًا مفردًا مراعاةً للَفظ (مَن)، وهودا جمعُ هائدٍ، مِن قولِهم (هُدْنَا) أي رَجَعنا وتُبنا، ونَصَارَى جمعُ ناصرٍ، مِن قولهم (نحنُ أنصارُ اللهِ)، و(أو) في قوله: (أو نصارى) للتقسيم والتوزيع؛ لأنّ في الآية احتباكًا؛ لفًّا ونشرًا إجماليا، حُذف فيه توزيعُ نسبةِ كلِّ قولٍ لقائله، للثقةِ بعلمِ السامع به، والمعنى: قالت اليهود: لن يدخلَ الجنة إلَّا من كانَ هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنةَ إلّا مَن كان نصارَى، وحُذف هذا التفصيلُ لأنّه لا يتبادرُ أنّ اليهودَ تقولُ: لن يدخل الجنةَ إلا من كان نَصارى، والعكس.

﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ تلك إشارة إلى قولتهم (لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ) وأَمانيّ جمع أمنية، أي: الكذب الذي يرغبونه، ويتمنونهه، وجمعت الأماني مع أن المشار إليه بتلك قولةٌ واحدة، وذلك باعتبار تعدُّدِ الأماني مِن أفرادهم، وكذلك تعدد نوعِها، فاليهود مِن أمانيهم أن يدخل الجنة اليهودُ، وألّا يدخلها المسلمون ولا النصارى، والنصارى أمنيتهم مثلُهم، و(البرهان) الحجة القاطعة؛ هاتوا حجتكم وبرهانكم على أمانيكم الكاذبة، وأتي بإنْ في: (إنْ كُنْتُمْ صَادقِينَ) المفيدةِ للشكِّ في صدقِهم مع أن كذبهم مقطوع به، وذلك لاستدراجهم حتى لا ينفروا، ليعترفوا بكذبِهم حين عجزهم عن البرهانِ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾([1])، والكلام الذي لا حجةَ عليه كالعدمِ.

﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أثبتوا في الآية السابقة دخول الجنة لأنفسهم، ونَفوهُ عن غيرِهم، فجاء الجواب بإبطال كلامهم، فقيل لهم: (بَلى) وهي أداةُ نفيٍ، تقع في جواب النفيِ لتثبته؛ لأنّ نفيَ النفيِ إثباتٌ، فقول اليهود: (لن يدخل الجنة المسلم، ويدخلها اليهودي)، يصير بجواب بلى: (يدخل الجنة المسلم، ولن يدخلها اليهودي)، وهكذا في قول النصارى.

ويحسنُ الوقفُ على (بَلَى)، وجملة (مَن أَسلَمَ وَجهَه) مستأنفة، وعلى وصلِ بَلَى بما بعدَها يقدرُ الكلامُ: بلَى يدخلُها (مَن أسلمَ وجهَه لله) يدخلها كل من انقادَ واستسلمَ وأخلصَ لله، والوجهُ الجارحةُ المعروفةُ، والمراد أخلص بذاته وكليته لله، أو المرادُ بالوجهِ المقصدُ والتوجّهُ، أي: مَن أخلصَ مقصدَه وتوجُّهَه، وخُصّ الوجه بالذكر، لشرفِه بين الأعضاء، واشتمالِه على الحواسّ (وَهوَ مُحسنٌ) جملةٌ حاليةٌ معترضة، تفيدُ أنّ حُسن التوجهِ والإخلاصَ لابدّ معهُ مِن حُسن العملِ (فَلهُ أجْرُه) جوابُ الشرطِ، على أنَّ مَن شرطيةٌ، وخبرٌ على أنّها موصولةٌ، واقترنَ خبرُها بالفاءِ لشبهها بالشرطِ، وجملةُ (فلهُ أجرُهُ عندَ رَبِّه) وما بعدَها تذييلٌ، يؤيدُ صدرَ الآية، فهو في قوةِ: فَلهُ الجنةُ، وبذلك يتأكدُ ما سبقَ، مِن أنّ الجنةَ ليست خاصة بهم كما زعَموا، بل لكلِّ مَن أخلصَ وعملَ الصالحات.

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال كل فريق عن الفريق الآخر: ليسوا علَى شيءٍ، أي: ليسوا على شيءٍ نافعٍ يُعتدّ به مِن الحق (وَهُم يَتلونَ الكِتابَ) الضمير (هم) يعودُ على الفريقين (يَتلونَ) يقرؤونَ دونَ تدبرٍ، فلا ينتفعونَ به، ولذا لم يقلْ يَعلَمونَ، والجملةُ حاليةٌ؛ لبيانِ سوءِ حالِهم، ومزيدِ التعجيبِ مِن صنعهم، حيث إن كلًّا منهم يُبطل دِين الآخرِ، مع أن الكتابَ الذي يقرؤونَه يصححُ لكل منهما دِينَ الآخرِ، فالتوراةُ تبشرُ بأنبياء بعدَ موسى عليه السلام، والإنجيلُ مبنيٌّ على ما في التوراة.

وقيل في سبب نزول الآيةِ؛ إنه قدِمَ ستونَ مِن عربِ نصارَى نجران - وهي قبيلة عربية يمانية، كانت تسكن نجران، قرية كبيرة بين اليمن واليمامة - قدمُوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، في السنة الثانية للهجرة، فأتتهم أحبارُ اليهود فتناظروا وتنازعوا، وقالت اليهود لهم ليستْ النصارَى على شيءٍ مِن الحقّ، ورمَتهم النصارَى بمثلِ قولهم ﴿كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مثل قولِ اليهودِ والنصارَى في تكذيب الأديانِ قالَ مشركُو العربِ، الذينَ لا يعلَمون، فهُم أمِّيونَ، وليس عندهم كتابٌ، كذّبوا أيضًا الأديانَ اليهوديةَ والنصرانيةَ والإسلام، ولم يؤمِنوا بدين ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ اللهُ يفصِلُ بينَ كلِّ الفِرقِ الثلاثةِ، فيما ذكرُوه مِن التكذيبِ لبعضِهم، وفي غيرِه، ويُجازيهم بِما يستحقّون.

 

 



[1]) سبأ: 24.

2017-02-24 تاريخ الإضافة: 0 87 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 65- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (65).

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (أَلَمْ) همزة الاستفهام دخلت على حرف النفي لمْ، وكل استفهام دخل على النفي يفيد التقرير؛ لأن حرف الاستفهام للنفي، ولم للنفي، ونفيُ النفيِ إثباتٌ، أي: لقد تقرّرَ أنّ الله تعالى له ملك السموات والأرضِ، والخطاب في (تَعلَمْ) لكلّ أحدٍ مِن أفراد الأمة، على سبيلِ البدَلِ، ويجوزُ أن يكونَ خطابًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمرادُ أمتُه؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يحتاج أن يقرّرَ على أنّ الله على كلّ شيءٍ قديرٌ، وأنّ اللهَ له ملك السمواتِ والأرضِ.

(وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) الوليّ المالكُ والقائم بأمرِ غيره ورعايتهِ، والنصيرُ القادرُ على نصرته ونجاته، وجمعَ بينهما لأنّ مَن يتولَّى غيرَه قد لا يكونُ قادرًا على النصرةِ، والقادرَ على النصرةِ قد لا يكونُ متوليًا الرعايةَ الدائمةَ، فالله تعالَى وحدهُ هو المتولِّي أمرَ عبادِه على الدوامِ، والقادرُ علَى نصرتِهم ونجاتِهم مِن الشدائدِ على الدوامِ.

وقوله: (مِنْ دُونِ اللهِ) دُون بمعنى سِوَى، تفيدُ معنى الاستثناءِ لأنّها مسبوقةٌ بالنفيِ، وتدلّ مع النفيِ على قصرِ الولايةِ والنصرةِ الحقّة على الله تعالى.     

(أَمْ) حرف عطف استفهامية، تكون منقطعة - كما هنا - بمعنى لكن أو بل، وذلك عندما يستفهم بها عن جملة، ينتقل بها مِن الكلام السابقِ إلى الاستفهامِ عن أمرٍ آخر غيره، وفي الآية انتقالٌ مِن الاستفهام التقريريّ في الجملة التي قبل (أم)، وهي: (أَلَمْ تَعْلَمْ...) إلى الاستفهام الإنكاري في الجملةِ التي بعدَها: (أَمْ تُريدُونَ...)، والتقدير: قد علمتم أنّ الله على كل شيء قدير، وأنه يعلم ما في السماوات وما في الأرض، لكن مع علمِكُم تريدونَ أن تسألوا رسولَكم سؤالَ الجاهل، كما ارتكب قومُ موسى مِن قبل؛ في مثلِ قولهم: اجعل لنا إلاهًا كما لهم آلهة، أو مثلِ سؤالِهم عن البقرةِ ما هي؟ وما لونها؟ ونحو ذلك، فدَلَّ الاستفهامُ الإنكاريّ على التحذيرِ مِن التشبهِ بقومِ موسى في السؤال، سواء فيما يضر بالعقيدة كالأول، ومنه ما تمناه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون لهم ذات أنواط([1])، أو كان فيما لا يحتاج إليه، ممّا فيه تعمّقٌ، ويوقعُ في الحرج؛ كما في السؤال عن البقرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ([2]).

وتكون (أَمْ) بمعنى (أو)، وتسمّى متصلةً أو معادِلة، وذلك عندما يُعطف بها لتعيينِ أحدِ أمرَينِ، أو للتسوية بين احتمالِ حصولِ كلٍّ منهما، ويكثر ذلك في عطف المفردات.

وفي قوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا) مبالغةٌ في النهي، حيث نُهوا عن إرادة السؤال، فضلًا عن السؤال نفسه، وبني الفعل (سُئل) للمجهول، ولم يُذكر السائلُ؛ للإشارة إلى أنّ من سأل ذلك يستحقُّ أن يُصانَ اللسان عنه.

 

(وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) يختار الكفرَ ويُعرضُ عن الإيمان، فالكفر في الآيةِ هو المأخوذُ، والإيمانُ هو المتروكُ، على القاعدةِ في مثلِه مِن أنّ الباءَ تدخلُ على المتروكِ، وقوله: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) فقدْ حادَ عن الطريقِ، والسواءُ الوسطُ، ومنه: ﴿إِلَىٰ سَوَاءِ الْجَحِيمِ([3])، وسواءُ السبيلِ أعدلُهُ وأقومُهُ، والجملةُ جوابُ مَنْ الشرطية، ووقوع الجواب ماضيًا مقترنًا بقد - مع أنه مترتبٌ على فعلِ الشرطِ المضارعِ الواقعِ في المستقبل - كثيرٌ في القرآن، وإذا جاءَ كذلك فإنّه يدلَّ على شدةِ اتصال وقوعِ الجوابِ بوقوع الشرطِ، حتى كأنّه وقعَ معه، والمعنى: ومَن يترك الإيمان ويُعرضْ عنِ الآياتِ البيناتِ، ويختارُ الكفرَ بسؤاله سؤالَ أهل الكفر؛ فقد حاد عن الجادَّةِ، التي هي وَسطُ الطريقِ وأعدلٌه، والتي فيها نجاتُهُ، ووقعَ في أعظمِ الضّلال؛ لاختيارهِ طريق الكفر. 

 

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ﴾.

(وَدَّ) تمنّى وأَحبّ كثيرٌ مِن أهلِ الكتاب مِنَ اليهودِ، وعلى رأسِهم أحبارُهم، وليسوا كلّهم؛ ليخرجَ مَن آمنَ منهم، تمنّوا (لو يرُدُّونَكم) أن يردُّوكُم، فـ(لوْ) بمعنَى (أَنْ) يؤوَّلُ ما بعدَها بمصدرٍ، لكنّها لا تنصب، تمنوا ردّكم (كفارًا) حالٌ مِن مفعولِ يردونَكُم، أو مفعولٌ ثانٍ، على تضمينِ يردونَكم معنى يصيِّرونَكم (حَسدًا) مفعولٌ لأجلهِ، هذا التمنّي سببُه وعلتُه الحسدُ لا غيرُه (مِن عندِ أنفسِهم) مِن ابتدائيةٌ، تدلّ على تَأَصُّلِ الحَسدِ فِيهم، وصُدورهِ مِن قِبل نُفوسِهِم، لا عن التديّنِ طاعةً لدينهم كما يزعمونَ، وتأَكَّدَ بالعنديةِ في قوله: (عِنْدِ) المتعلقة بـ(حسدًا) الدَّالّةِ علَى التمكنِ والِاستِقرارِ.

(فَاعفُوا) العفوُ تركُ العقوبةِ (واصفَحُوا) الصفحُ الإعراضُ وعدمُ اللّومِ، وعُطف على العفوِ لأنّه أبلغُ منهُ، فالصفحُ ليس فقطْ عدم العقوبةِ، بل تركُ اللومِ والتثريبِ (حَتّى يأتِيَ الله بأَمرِهِ) حتّى للغايةِ؛ غاية العفوِ وغضِّ النظرِ عن أذاهم أنْ يؤذَنَ لكمْ في قتالِهم وإخراجِهمْ، فقاتلَ المسلمون قريظةَ، وأخرَجُوا بني النظير، والمعنى: يتمنّى اليهودُ لو ترجعون عن الإسلامِ، وتصيرونَ كفارًا مرتدّين عنه، بعد أن أعزَّكم الله بهِ، وما يدفعُهم إلى ذلكَ إلَّا الحسدُ، المنبعثُ مِن قِبل نفوسِهم، وما تميلُ إليه أهواؤُهم، وليسَ التدينُ والحرصُ على دينِهم، وهم يفعلونَ ذلكَ لا عن قِلةِ علمٍ، بل عن علمٍ كاملٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، بعدَ أن تبينَ لهم صدقُه، ووضحتْ آياتُه ومعجزاتُه، ومن المصلحةِ أن تعفُوا عنهم وتصفحُوا، فلا تعاقبُوهم، ولا تلوموهُم، إلى أنْ يأذنَ اللهُ لكم بقتالِهم وإخراجِهم.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لو شاء لعجَّلَ لهم العقوبةَ، وسلّطكُم عليهم، ولكن لحكمةٍ أمرَكم بالعفوِ والصفحِ عنهم إلى حينٍ.



[1]) شجرة كان يتعلق بها أهل الجاهلية. [والحديث أخرجه أحمد:21390، والترمذي:2180 وقال: «حسن صحيح»].

[2]) المائدة: 101.

[3]) الدخان: 47.

2017-02-21 تاريخ الإضافة: 0 86 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 64- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (64).

 (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).

 مناسبةُ الآيةِ لِما قَبلَها أنّ اليهودَ عندَما امتنعُوا عَن الإيمانِ بنبوةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلّم، ادّعوا أنّ الذِي يمنَعهم هو تمسّكهم بمَا أنزلَ عليهم، وأنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم أقرّ بأنّ ما أنزلَ إليهم حقٌّ وصدق مِن الله، والصدقُ مِن اللهِ تعالى لا يمكنُ نسخُه؛ لأنه في زعمِهم يستلزمُ البداء، أي أنّ الله علم شيئًا بعدَ أن لم يكن يعلمُه، وهو مستحيلٌ، وهذا زعمُ كلِّ مَن أنكرَ النسخَ، وأصلُ إنكار النسخِ مِن ضلالاتِ اليهود، ولَا يرِدُ ما زعموه.    

فالنسخُ بالنسبةِ إلى الله تعالى ليس بداءً وظهورًا لأمرٍ كان خافيًا عنه، وإنّما هوَ بيانٌ لمدةِ الحكمِ الأوّل في علمِ الله، لا رفعه وتبديله، وبالنسبة إلينا هو رفعٌ للحكمِ وتبديل، وقد ردَّ الله تعالى علي اليهود بوقوع النسخ، وخاطبَ به المؤمنين، إذْ لا فرق بينَ نسخِ بعضِ الشريعةِ ببعضِ، ولا بينَ نسخ شريعةٍ بشريعة أخرى. 

(مَا نَنسَخْ) ما شرطية محلّها النصب، مفعولٌ به لننسخ، وننسخْ مجزوم بها، والنسخُ إزالةُ شيء بشيءٍ يعقبه ويأتي بعده، كنسخ الشمس الظلّ والظلّ الشمس، والشيب الشباب، ويستعمل بمعنى الإزالة مطلقًا، لا يعقبها شيءٌ يأتي بعدها؛ كقولك: نسخت الريحُ الأثرَ، ويأتي بمعنى الإثبات دون إزالةٍ؛ كنَسَخْتُ الكتابَ، وبمعنى الإزالة والإثبات معًا؛ كالنسخ الوارد في الآية، فهو إزالة حكم وإثبات حكمٍ بدله، بدليل قوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).

(مِن آيَةٍ) مِن بيانية، والآيةُ العلامةُ، وتُطلق على المعجزة، ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ)[1] وعلى الآية القرآنية؛ كما في قوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ)[2].

ومعنى النسخ في الاصطلاح الأصوليّ: رَفعُ الحُكمِ الشَّرعِيِّ بِخطَابٍ شرعيّ آخر، فخرج بـ(الرفع) الحكمُ الواردُ ابتداء، وَبـ(الحكم الشرعي) رفعُ البراءةِ الأصلية بشرعٍ جديدٍ، فلا تسمى نسخًا؛ لأنّ البراءة الأصلية معناها عدمُ التكليف، الذي عليه الناس قبلَ ورودِ الشرع، فهي ليست حكمًا شرعيا.

(أَوْ نُنسِهَا) من النسيانِ، ومعناه تركُها وعدمُ قراءتِها، أو عدمُ العملِ بحكمِها، ممّا يجعلُها مَنسيةً، غيرَ محفوظةٍ ولا مذكورةٍ، وفعلُه نَسِي.

وقرئ مهموزًا (نَنْسَأْهَا) مِن الإنْساءِ، وفعلُه أَنْسَأَ، بمعنَى نؤخِّرها، والمرادُ إبطالُ العملِ بها (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) جوابُ الشرط في مَا ننسخْ مجزومٌ، أي: نأتِ بناسخٍ خير مِن المنسوخِ. 

والخيرية قد تَكونُ مِن حَيثُ أنّه أكثرُ مناسبةً لتحقيقِ المصلحة للمكلَّفين، أو رفع الحَرجِ عنهم، والرفقِ بهم، أو لتكثيرِ الثواب، إذا كان حملُهم على الأشدِّ أكثرَ مصلحةً لهم، وجاء العطفُ بـ(أوْ) التي للتنويعِ لا الجمع؛ ليفيدَ أن الناسخ منهُ ما هوَ خيرٌ مِن المنسوخ، كنسخِ الشرائع السابقةِ بشريعة الإسلامِ، وكنسخ ما جاء في الخمرِ والميسرِ في قوله تعالى: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)[3] بقوله تعالى: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ)[4]، وهذا المثال الأخيرُ للخيرية بالحملِ على الأشدّ، فليست الخيرية دائمًا بالحمل على الأخفّ.

ومنه ما يكون نسخًا مثل المنسوخ، كنسخ شريعةِ هود بشريعة صالح عليهما الصلاة والسلام، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله تعالى: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)[5] بآية الفرائض والمواريث (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ...)[6] إلى آخر الآيات، وقد تجتمع المثلية مع الخيرية في الناسخ، بحيث يكون خيرًا من جهةٍ ومِثلا مِن جهة أخرى؛ كما في نسخ خمسينَ صلاةً بخمس صلوات، ففيها خيريةٌ بالتخفيف، ومثلية في الأجرِ، كما قال صلى الله عليه وسلم: (هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ)[7] أي: خمسون في الأجر.

ويستدل الأصوليون بهذه الآية على جوازِ النسخ؛ لأنه لا وجه لذكرهِ إلا جواز وقوعه، ولأنّ أدوات الشرط مثل (مَا) و(إِنْ) تدل في أصلِ وضعِها على احتمالِ ما دخلتْ عليهِ وجوازِه.



[1] [النمل:27].

[2] [النحل:101].

[3] [البقرة:219].

[4] [المائدة:90].

[5] [البقرة:180].

[6] [النساء:11].

[7][البخاري:342، مسلم:237].

2017-02-14 تاريخ الإضافة: 0 85 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 63- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (63).

(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

  (لَوْ) يجوزُ أنْ تكونَ شرطيةً وجوابُها محذوفٌ، دلّت عليه جملةُ (لَمَثُوبَةٌ) فليست هي الجواب؛ لأنّ جوابَ لو لا يأتِي جملةً اسميةً، أي: لو أنّهم آمَنُوا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلّم والقرآن، واتّقَوا بالابتعادِ عنِ السحرِ والمعاصِي؛ لأثابَهم اللهُ، وأعطاهُم الجزاءَ الحسنَ، ويجوزُ أن تكونَ (لَو) للتمنِّي، لا تحتاجُ إلى جوابٍ، وأدواتُ التمنّي والترجّي في القرآن تُحمل على المخاطَبينَ؛ لأنّ التمنّي والترجّي على الله مُحالٌ، وعلى الوجهينِ - في معنى حرف لو - فجملةُ (لو) اكتملت بجوابها، أي: لو أنّهم آمنوا لأثابهم الله، أو لتَعرّضُوا لثوابِهِ، فقولُه (لَمَثُوبَةٌ) جملةٌ مستأنَفةٌ، مقترنةٌ بلام الابتداءِ الموطئة للقسمِ، الدالّةِ عليه، والتنكيرُ في (مَثوبةٌ) للدلالةِ على أنّ أيَّ قدرٍ مِن المَثوبةِ - مهما كان قليلا - فيهِ الخيرُ، فالتنكير للتقليلِ، و(خَيرٌ) صفةٌ مشبهةٌ، تثبتُ ملازمةَ الخيرِ للإيمانِ (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) شرطٌ آخرُ محذوفُ الجوابِ، وحذفَ مفعولُ يعلمونَ لدلالةِ ما قبلَهُ عليه، والتقديرُ: لو كانوا يعلمونَ مثوبةَ الله ما اشتروا السحرَ وأعطوا فيه دينَهم، وهم قد علِموا، لكن نُفيَ شرفُ العلمِ عنهم لتركِهم العملِ بهِ.

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنَا) راعِنا فِعْلُ طَلَبٍ مِنَ الرَّعْيِ، مبالغةٌ دلّت عليها المُفاعلة، مِن رعاهُ إذا حرسَهُ مِن الهلاكِ والتلفِ، والرّعيُ والرّعايةُ حفظُ الغيرِ، عاقلًا كان المحفوظُ أو غيرَ عاقلٍ؛ لمصلحتِه والرفقِ به ومراقبةِ نفعِه.

وسببُ نزولِ الآية أنّ المسلمين كانوا يقولونَ للنبيّ صلى الله عليه وسلّم: راعِنَا، يطلبونَ منه أنْ يتأنّى ويترفّقَ بهم، ويمهلَهم فيمَا يلقيهِ عليهم مِن الوحيِ، فلا يعجلَهم؛ ليتمكنُوا مِن فهمِ كلِّ ما يقولُ، وكان لليهودِ معنًى آخرَ لكلمةِ (رَاعِنَا) في لغتِهم العبريةِ، يستعملونَهُ في السبِّ، مِن الرُّعونةِ والجهلِ، ولمَّا سمعَ المنافقونَ من اليهودِ المسلمينَ يقولونَها للنبيِّ صلى الله عليه وسلّم، يطلبونَ منه الترفقَ بهم في التعليمِ، وجدوا ذلك فرصةً مواتيةً، يصلونَ منها إلى غرضِهِم الخبيثِ، فقالُوا: كنّا نسبُّه سرًّا، فالآنَ نسبّه جهرًا، وخاطَبوا بها النبيَّ صلى الله عليه وسلّم، يريدون سبّه.

ومَعنَى راعِنَا عندَهم: اسمَعْ لَا سَمِعْتَ، وقيل: أرادُوا (راعنًا) اسْمَ فاعلٍ مِن رَعَنَ، إِذَا اتَّصَفَ بِالرُّعُونَةِ، فنُهي المؤمنونَ عن استعمالِ الكلمةِ سدًّا للبابِ، وقطعًا لذريعةِ الفسادِ، وأُمروا باستعمالِ كلمةٍ أخرَى، تساويها في المعنى وفي الحروفِ (انْظُرْنَا) أي: انظُر إلينَا، مِن النظرِ في الأمرِ والعنايةِ بهِ، تفيدُ المُراد، وينتفي معها التلبيسُ الذي أرادَه اليهودُ.

وقد دلّت الآية على أصلٍ مِن أصولِ استنباطِ الأحكام (سَدّ الذّرائِعِ)، وهو استعمالُ ما ظاهرُه الجوازُ للتوصلِ به إلى المحظورِ.

(وَاسْمَعُوا) سماعَ مَن يعملُ بما سمعَ ويَقبلُ، لا سمَاعَ المكذِّبِ كمَا يفعلُ اليهودُ؛ يقولونَ سمعنا وعصينا، ولا سماعَ المنافقين؛ يقولونَ سمعنَا وهم لا يسمعونَ (وَلِلْكَافِرِينَ) المرادُ المنافقونَ من اليهودِ، فتكون (ال) للعهدِ، ووُصِفوا بالكفرِ زيادةً في ذمِّهم، ويدخلُ في حكمِهم كلُّ مَن عانَدَ عنادَهم، وأصمّ سمعَه عن قَبولِ الحقِّ (عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلمٌ لا يفتّرُ عنهم وهُم فيه مُبلسونَ.

بعد أن ذكر الله ذمهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم بيَّنَ أنّ سببَهُ الحسدُ، فهذه هي حقيقةُ ما يمنعُهم مِن الإيمانِ بهِ، لا كمَا ادّعوا مِن أنّ الذي يمنعُهم إنّما هو التمسكُ بكتابِهم، وأنّهم لشدةِ حرصِهم عليه لَا يريدونَ أنْ يخلطوا به غيرَه، كما ذكر الله تعالى عنهم: (وإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤمِنُ بِما أُنزِلَ عَلينَا).

(يَوَدُّ) مِن الوُدّ، ومعناهُ محبةُ الشيءِ مع تمنِّيهِ والحرصِ عليه (الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) (مِن) بيانية، بينت مَن هُم الذين كفروا، وأنهم أهلُ الكتابِ اليهودُ والنصارَى (وَلا الْمُشْرِكِينَ) ذكر المشركينَ للاحتراس، حتّى لا يظنّ عدم دخولِهم، أُضيفوا فهم أيضًا - مع مَن قبلهم - لا يتمنّونَ ولا يحبُّونَ (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وجملة (أن يُنزل) في موضع المفعولِ لِيودّ، أي: ما يودّون نزولَ خيرٍ عليكم، و(خَيرٍ) نائبُ فاعلٍ يُنزّل، ودخلتْ عليه (مِنْ) لتأكيدِ نفي مَّوَدَّة الخيرِ لكم، والخيرُ: النعم والفضائلُ، وكلّ ما ينفعُ المسلمين في الدنيا والآخرة، وهو معنى الرحمةِ الآتيةِ في قولِه: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ)، وفي مقدمة هذا الخيرِ، الذي لا يتمنونَه للمسلمين؛ إقامة دينِهم، وما جاءهم به هذا الدين مِن القرآنِ والحكمة، والنصرة والتمكينِ (مِن رَبّكُم) مِن ابتدائية، فالخيرُ ابتداؤه ومنشؤه مِن ربّكم، لا مِن غيرِه، وجيءَ باسمِ الربّ سبحانَه هنا؛ لأنّ الخيرَ ونزولَ النعمِ يناسبُه اسم الربوبيةِ، لِما في معناه مِن معنى الرعاية والعناية بالمربوبِ، على حين أنَّ اختصاصَ أحدٍ بالرحمةِ لتصيبَه هو دون غيره، لمَّا كانَ مبنيًّا على المشيئةِ ناسبَهُ اسمُ الألوهيةِ، فقال: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ) يختصّ بهذا الخير - مِن الوحيِ والنبوءةِ ونِعم الإسلام التي حسدُوكم فيها - الله يختص بها مَن يشاءُ مِن عبادهِ، فلا يجبُ عليه شيءٌ سبحانه، وليس لأحدٍ عليه حقٌّ إلا ما شاءَهُ وأرادهُ بمحضِ فضلِهِ (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[1] (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فضلُه عميم على جميعِ خلقِهِ، فاختصاصُه لبعضِ خلقهِ بالوحيِ والنبوةِ، أو النصرِ والتمكينِ، أو العلمِ والفضلِ، أو العافيةِ والغنَى والجاهِ، وحرمانُه لآخرينَ ليسَ لضيقِ فضلِهِ؛ بل لمشيئتِهِ وحكمتهِ وعدلِه، ثم إنّ اختصاص فضله بالنبوءةِ - التي حسدوا عليها النبي صلى الله عليه وسلم - يختلفُ عن اختصاصِ غيرِها مِن الفضائلِ، فالنبوءةُ اصطفاءٌ مِن اللهِ، لمَنْ عَلمَ اللهُ أَنَّهُ أهلٌ لهَا، ولمن خلقَ اللهُ فيه القابليةَ لتلقّي الوحيِ؛ قال الله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ)[2] فليستِ النبوءةُ حاصلةً بالاكتسابِ والاجتهادِ، وذلك لخطرِ أمرها، بِخلَافِ غَيرِها مِن الفضَائِلِ، فتُكتسبُ بالجدِّ والمثابرةِ؛ كالجدِّ في التعلمِ لرفعِ الجهلِ، والجدِّ في الكسبِ لرفعِ الفقر، وتحصيلِ الصلاحِ بالتزامِ الطاعاتِ وتركِ المعاصِي، فذلك للجدِّ والتدبير فيه نصيبٌ، مع التوكلِ في طلبِه على اللهِ، والتزامِ طاعتِهِ، والسعيِ في مرضاتِه؛ ليكونَ أهلًا لمحبتهِ وعونهِ وتوفيقه، وقدْ ثبت عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: (تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ)[3].



[1] [الأنبياء:23].

[2] [الْأَنْعَام:124].

[3] [رواه الحاكم في المستدرك:6335].

2017-02-04 تاريخ الإضافة: 0 84 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 62- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (62).

 

(وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

(وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) (ما) اسم موصول (الملكَينِ) تثنية مَلَك، واحِدُ المَلائكة (بابل) مدينةٌ قديمة بالعراقِ، على ضفتَي الفرات (هَارُوتَ ومَارُوتَ) اسمُ الملكينِ، بدلٌ مِن (الملكين) (وما أنزل) معطوفٌ على قولِه: (مُلكِ سليمانَ) فاليهودُ والكهنة الذين يُعلِّمون السحر، اتّبعوا ما تَقوَّلتْه الشياطينُ، مِن نسبةِ مُلك سليمانَ إلى السحر، واتبعوا ما نزل على الملكين هاروت وماروت ببابل.

  وكانت بابلُ اشتهرتْ بالسحرةِ، وكانوا استحوَذُوا على عُقول العامّة وأموالِهم، وسخَّروهم لخدمتِهم، وأسَّسوا لهم عبادةَ الأصنامِ والكواكبِ، وأوهَموهُم أنّهم واسطَتُهم للآلهةِ، ويفعلونَ فِعل الآلهة، فعظمَ الفسادُ مِن احتكارِ الكهنةِ لصَنعةِ السحرِ، وادعاءِ أنّهم آلهة أو وُسطاء، فكانت حكمةُ الله أنْ أرسلَ إليهم مَلكَين مِن الملائكةِ، وقيل: رَجلينِ صالحينِ، سمّاهما العامّة مَلكَين لِصلاحِهما، يكشفانِ أسرارَ وألَاعيبَ الكهنةِ، ويُطلعانِ العامّةَ على علمِ السحرةِ، الذي كانوا يحتكرونَهُ، وذلك ليتحرّروا مِن خُزعْبَلاتِهم وأباطيلِهم، وما يزعُمونَ أنهم قادرونَ عليهِ، شركاء للهِ فيهِ.

 (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) الفتنةُ: الاضطرابُ الذي تختلطُ فيه الأمورُ، وتخرجُ عن العدلِ بالخوفِ والخطرِ على النفسِ أو الدينِ أو المالِ، حيثُ يشتدُّ الابتلاءُ، ولا يثبتُ إلّا مَن ثبتَهُ الله.

 يحذرُ المَلكانِ مَن يعلمونَه السحرَ؛ أنَّ هذا العلمَ وإنْ دَعتْ إليهِ حاجةٌ في وقتِهِ، فهو ذو خطورةٍ عظيمة، حتّى إنّه الفتنةُ بعينِها، التي تؤدِّي إلى الكفرِ، وقد جاءَ الإخبارُ عنه بالمصدرِ (فِتنَةٌ) على وجهِ المبالغةِ، فكأنّ هذا التعليمَ لِشديدِ ضررِهِ، ليسَ شيئًا إلّا الفتنة (فَلَا تَكْفُرْ) لَا تعمَل بتعلُّمهِ عملَ السحرةِ، فتقع فِي الكفرِ. 

(فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) هذه إحدى مصائب تعلم السحر، يفرق بها الساحر بين الأحبة، بين مَن جعلَ اللهُ تعالى بينهما المودةَ والرحمةَ؛ المرأِ وزوجِه، بإفسادِ عقولِهما حتّى يتباغضَا ويتفارقَا، وتدمر حياتهما بتدميرِ الأسرة، وناهيك به من وبالٍ وشرّ.

(وَما هُمْ) ما هؤلاءِ الذين يتعلمونَ السحرَ ويعملونَ به (بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ) أحد نكرةٌ في سياق النفي، تعمُّ نفي الضرِّ لكلِّ أحدٍ، بجميعِ صورهِ وأنواعِهِ، وأكّدَ عمومها بدخولِ الباءِ على ضارّينَ، ودخولِ (مِنْ) الاستغراقية على النكرة؛ فدلت بذلك على نفيِ احتمالِ أيِّ ضررٍ، مهما كانَ صغيرًا (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) إرادتِه ومشيئته؛ لأنّ الأسبابَ لا أثر لها إلّا بجعلِ اللهِ وقدرتِهِ، وهذهِ حقيقةٌ يجبُ استحضارُها دائمًا، بحيثُ لا تغيب عن عقيدةِ المسلمِ، الذي ابتليَ بالسحرِ أو بتعلمِهِ، أو سمعَ بويلات مَن  تسلطَ عليهم أولياءُ الشيطانِ مِن عبادِ اللهِ - ظلما وعدوانًا - يجبُ دائمًا استحضارُ  قوله: (وَمَاهُم بِضَارّينَ بهِ مِن أَحدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) وذلك حتى لا تزلّ قدمُه، ويسند الضرَّ إلى السحرِ أو الكوكبِ أو غيرِهما مِن دونِ الله؛ فيكفر.      

(وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) تعلمُ السحرِ كلّه ضررٌ؛ لأنّه يجرُّ إلى العملِ به، إذْ مجردُ العلمِ بهِ غير مقصودٍ ولا نافعٍ في الدّارين، فليس فيه نفعٌ البتةَ، وعطفُ و(لا يَنْفَعُهُمْ) على (مَا يَضُرُّهُمْ) يدلّ على أمرين:

الأول وقوع الضررِ بتعلّم السحرِ، لأنّه مُلازمٌ للعمل بهِ، والعملُ بهِ بَيِّنُ الضّرر؛ كالتفريقِ والكرهِ الذي يدمرُ حياةَ النّاس، وكَخَبالِ العقولِ، وفسادِ الأبدانِ بالأمراضِ والأوجاع.

الثاني أنّه لا يتحققُ به نفعٌ، فلا يصيرُ به المريضُ معافًى، ولا الفقيرُ غنيًّا، ولا البليدُ ذكيًّا، فهو ضرر محضٌ (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ولقد علمُوا عطفٌ على جملةِ (واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ) فالضميرُ في (عَلمُوا) راجعٌ إلى اليهودِ أيضًا.

(لَمَن اشْتَرَاهُ) مَن أخذَه مِن السحرة ومَن يتردَّدونَ عليهم، ويتبادلونَ بينَهم العوضَ (مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ) ليس لواحدٍ منهم نصيبٌ ولا حظٌّ يرجونَهُ في الآخرةِ، ولا يكادُ يستعملُ الخلاقُ إلّا فِي الخيرِ، وهو نكرةٌ في سياقِ النفيِ، أكِّد نفيُها بمِنْ الاستغراقية؛ ليدلَّ على انقطاعِ الساحرِ عن الخيرِ انقطاعًا كاملًا، لا أثرَ فيهِ لنفعٍ.

(ولبئس مَا شَرَوْا به أَنفُسَهُمْ) لبئس اللامُ للقسمِ، وبئسَ مِن أفعالِ الذمِّ، وشرَوا باعُوا  وبَذَلُوا، لبئسَ ما تسبّبُوا فيه مِن خسارةِ أنفسهم، فقد أعطوا أعزَّ ما يملكونَ - وهو إيمانُهم - مقابلَ ما تعلّموهُ مِن السحرِ، فبئسَ الصفقةُ الخاسرةُ، ما أخذُوا فيها وما أَعطوا (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) لو حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ، نَفَتْ عنهم العلمَ، ولا تعارُضَ في نفيه عنهم مع إثباتِه لهم في قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا)؛ لأنّ المنفيَّ غير المثبت.

المثبتُ هو علمُهم بأن صاحبَ السحرِ لا حَظَّ له مِن الخيرِ عند ربّه، والمنفيُّ عدمُ عمَلِهم بما علِموا، وعبّر عنه بنفي العلمِ ؛ لأنّ مَن لمْ يعمَل هو والجاهلُ سواءٌ.  

2017-01-30 تاريخ الإضافة: 0 83 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 61- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (61).

 

(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ).

 

(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ) عاهدُوا عهدًا: أعطوا العهودَ والمواثيقَ، والضميرُ يعودُ على اليهود (نَبَذَهُ) النبذُ: إلقاءُ الشيءِ مِن اليدِ، ويغلب فيما يُنسَى، ولا يُرادُ الالتفاتُ إليه، ولا الاهتمام به، والمرادُ به تركُ العملِ بالأحكامِ، ونقضُ عهدِ الإيمانِ الذي أُخذَ عليهم. 

والهمزة في قوله: (أَوَكُلَّمَا) للاستفهامِ التوبيخيّ والتقريعِ، والواو عاطفةٌ على محذوفٍ تقديرُه: أَكَفَرُوا وَكلّما عاهدُوا عهدًا نبذَه فريقٌ منهم، وجملةُ (وَكُلّمَا) معطوفةٌ على جملةِ القسم: (ولَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيكُمْ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ).

فهُم - أي اليهود - كلّما عاهَدُوا عهدًا على مرِّ عُصورِهم، وأعطَوا ميثاقًا بالعملِ بالتوراةِ؛ نقضَ فريقٌ منهم العهدَ، وتتابعُوا على النقضِ والتكذيبِ، فريقًا بعد فريقٍ، وخلفًا بعد سلفٍ.

 (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) وبذلك انتهى حالُ أكثرِهم إلى الكفرِ وعدمِ الإيمانِ، فليسَ الفريقُ الذي نبذَ الأقلّين، بل أكثرُهم ومعظمُهم.

 

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) تقدم معنى النبذ، وأنّ المرادَ به الذمّ على تركِ العملِ بالأحكام والكتاب، وإنْ تظاهرُوا بصيانتهِ وتزيينِهِ، كما قال سفيان رحمَه اللهُ تعالَى: "كانوا يضعون الكتاب في الحرير والديباج، ويحَلُّونَه بالذهبِ، ولا يُحلّونَ حلالَه، ولا يحرمونَ حرامَهُ".

والخطابُ في الآية وإن كانَ لليهودِ، وفي حكمِهم مَن فعلَ فعلَهم.  

والمرادُ بالرسولِ في قوله: (وَلَمّا جَاءَهُم رَسُولٌ) محمدٌ صلّى الله عليه وسلّم، فَإنّه لَمّا جاءَهم بما عرفوهُ مِن الكتابَ، وكانَ مَا جَاءَ بهِ مصدّقًا لِما معهم مِن التوراةِ؛ أعرضَ فريقٌ منهم عن التوراةِ، وعنِ القُرآن؛ لأنّ إعراضَهم عن أحدِهما إعراضٌ عنِ الآخر، وعن كلّ كتابٍ من عند اللهِ منزلٍ، وجعلوهُ وراءَ ظهورهم، فهمْ لم يجعلُوه خلفَهم فقط، وإنما جعلوه وراءَ وراء، فالظهورُ هيَ مِن جهةِ الوراءِ، وهم جعلوه وراءَها، إمعانًا في البعدِ والإعراضِ، مع قيام الحجة عليهم، وعلمِهم بصدقهِ، والعجبُ أنّهم فعلوا ذلكَ و(كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) لم يقلْ لا يعلَمونَ بل كأنّهم لا يَعلمُون؛ لأنّهم فِي الواقعِ يعلمونَ، ولكنّهم تجاهَلوا عنادًا، فكُفرُهم عَن علمٍ.   

 

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا).

(واتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ) الجملةُ عطفٌ على قوله: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)

(واتّبَعُوا) اختاروا وفضَّلوا، والضميرُ يعودُ على اليهودِ، فهم الذينَ اختارُوا وفضَّلوا اتباع الشياطين (تَتْلُوا) مِن التلاوةِ، وهي قراءةُ المكتوبِ، أو استظهارُه مِن الحفظِ، (الشَّيَاطِينُ) هم المردةُ من الجنّ، ولعلّ المرادَ هنا مَن يفعلُ فِعلَهم مِن الإنسِ (عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ) اتّبعوا مَا تقولُه وتفتريه الشياطينُ على حكمِ سليمانَ وعهدِهِ ونبوتِهِ، ذلكَ أنه لمّا ماتَ سليمانُ عليه السلام وانتَهى ملكُه، نسبَ بنو إسرائيلَ ما أوتيه مِن النبوةِ والملكِ الواسعِ - مِن ركوبِ البحر وملكِ السفنِ، ومِن تسخير الريح والجن والطيرِ له بالخدمة والطاعة - نسبوهُ إلى السحر، وقالوا: لم يكن سليمانُ نبيًّا، وما أوتيَ هذا كلّه إلا مِن السحر.

 

وكانتِ الشَّيَاطِينُ كتبت السِّحرَ، وَدَفنوه تَحتَ مُصَلَّى سليمان عليه السلام، فَلمّا مَات اسْتَخرجُوهُ، وَقالوا لِلناسِ: إِنَّمَا مَلَككُم بِالسحرِ، فَتَعَلَّمُوهُ، وصدّق السفهاءُ ذلك، وَأَقْبَلُوا عَلَى تَعْلِيمِهِ على أنّه مِن ميراثِ نبوة سليمان، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَرَاءَة سليمان  فَقَالَ: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) ما تلبَّسَ بالسحرِ، وعبّر عن السحرِ بالكفرِ ليدلّ على أنّه إنْ كان على الوجهِ الذي ذكره القرآنُ، مِن اعتقادِ الضرّ والنفعِ؛ فهوَ كُفرٌ، والأنبياء معصومونَ مِن الكبائرِ فضلًا عن الكفر (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ) شياطين الإنس والجنّ بالعمل بالسحرِ على المعنى المتقدمِ (كَفَرُوا) كفرَ شركٍ يخرجهم مِن الملة.

والسحرُ معناه في اللغة يرجعُ إلى معنَى اللطفِ والدقةِ، فكلّ ما لَطُفَ أخذهُ ودَقّ حتى تمكّنَ فهو سحرٌ، وفي الحديث: (إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا)[1].

والسحر أيضًا الخديعةُ، وما يفعلُه الناسُ منه أنواعٌ: منه ما هو تمويهٌ وَتَلْبِيسٌ وَتَخَيُّيل، وهذا وإن كانَ معصيةً وتضليلًا وخِداعًا فلا يكونُ كفرًا، وقال المعتزلةُ: السحرُ كلّه مِن هذا القبيلِ، لا حقيقةَ ولَا أَصْلَ لَهُ، كلّه خداع.

ومنه مَا يَكونُ بِخِفَّةِ الْيَدِ وسرعةِ الحركةِ، وهو قريبٌ مِن الأول.

ومنه ما يحصلُ للساحرِ بتَعْظِيمِ الشَّيَاطِينِ؛ لِيُسَهِّلُوا لَهُ مَا عَسُرَ منَ المحرّماتِ وخوارقِ العاداتِ.

وَمنهُ ما هو أَدْوِيَةٌ وأدخنةٌ وغير ذلك.

وَعِندَ أهل السنة: السحرُ لهُ حَقِيقَةٌ، يَخْلُقُ اللَّهُ عِنْدَهُ من الضرّ والنفعِ، أو غير ذلكَ مِن خوارقِ العاداتِ ما شاءَ، كمَا قالَ تعالى: (وَمَا هُمْ بِضارّينَ بِهِ مِن أَحدٍ إلَّا بِإِذنِ اللهِ) وفي البخاري عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: (سَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ، يُقَالُ لَهُ لَبِيَدُ بْنُ الْأَعْصَمِ)[2].

واتفق السلف على وجوب قتل الساحر، وأجمَعُوا على تحريمِ السحرِ، وعدِّهِ في الكبائرِ، ونصّ بعضُهم على كفرِ الساحرِ، ومَن اعتقدَ تأثيرَ السّحر، أو سحرَ بكلامٍ يكون كفرًا؛ فإنّه كفرٌ بلا خلافٍ.

 

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يُقتل الساحرُ، ولا يستتابُ، إلّا أنّ أبا حنيفةَ جعلَه في عدمِ الاستتابةِ كالمرتدِّ، وجعله مالك كالزنديقِ؛ لأنّ صاحبَه يستتر بِفِعلِهِ، كالزنديقِ الذي يظهر الْإِسلَام ويُبطن الكُفْرَ، ولذا فُسرَ كلامُ مالك على أنه إنْ أسرّه يقتل ولا يُستتاب، وإن أظهرَه أستُتيبَ.

قال الباجي: "لا يقتل حتى يثبت أن ما فعله من السحر هو الذي وصفه الله بأنه كفرٌ"[3]، أي ممّا يرجع إلى اعتقادِ ضرّه ونفعِه، أو كان بكلامٍ فيه كفر. 

وذكرَ مالكٌ السحرَ في الموطّأ في بابِ الغيلة، فجعلَ القتلَ به كقتلِ الغيلة، لا يُقبَل فيهِ عفوٌ، وقالَ الشَّافِعِيُّ: لا يُقتلُ الساحرُ إلا إذا قتلَ بسحرهِ، والسحرُ عندَه معصيةٌ.

 

 



[1] [رواه البخاري:5434].

[2] [رواه البخاري:5433،ومسلم:2189].

[3] [المنتقى شرح الموطأ:7/117].

2017-01-09 تاريخ الإضافة: 0 82 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 60- تابع سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم

المنتخب من صحيح التفسير

الشيخ الصادق بن عبد الرحمن الغرياني.

- الحلقة (60).

(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ).

(وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ) الجملة معطوفة على قوله: (وَلَنْ يَتَمَنّوهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم، ولِكلّ مَن يَتأَتّى منه، واللامُ مُوطئةٌ لقسمٍ محذوفٍ، و(وَجَدَ) بمعنى (عَلِمَ) تتعدَّى إلى مفعولينِ، وتنكيرُ (حَيَاةٍ) للتنويعِ، فحرصُهم هو على أيِّ نوعٍ من الحياةِ، مهما كانَ مذمومًا.

والمعنى: لتجدنَّ حرصَ اليهودِ على الحياةِ، يفوقُ حرصَ سائرِ الناسِ، والمرادُ رضاهُم بالذلةِ والصَّغارِ؛ لأنّ مَن كانَ همّه الحياة مهمَا كانَ ثمنُها، لا يُبالِي بما أصابَه فيها، مِن انتهاكٍ وهَوانٍ، وربّما حياة كانَ الموتُ خيرًا منها، وقد قالَ القائلُ:

لا تَسقِنِي مَاءَ الحياةِ بذلَّةٍ    ولتسْقِنِي بالعِزّ كأْسَ الحَنظَلِ

فالحرصُ على الحياةِ والخوفُ مِن الموتِ في حدِّ ذاتهِ ليسَ غريبًا، وهو شيءٌ معتادٌ، جبلَ اللهُ تعالى عليهِ الناسَ، لكنّ حرصَ اليهودِ على الحياةِ - مهما كانتْ رذيلةً - ليس له مثيلٌ.

(وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) لتحصنهم أحرصَ الناسِ على حياةٍ، وأحرص مِن الذين أشركُوا، حذف (أَحْرص) مِن الثانِي؛ لدلالةِ الأولِ عليهِ، وتخصيصُ الذين أشركُوا بالذكرِ معَ دخولِهم في الناسِ؛ لشدّة حرصِهم على الحياة، ولتوبيخِ اليهود، فهم أحرصُ من المشركينَ، الذين لا يرجونَ بعثًا ولا جزاءً، وما الحياةُ عندَهم إلا الحياة الدنيا (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) (يَودّ): يحبّ ويتمنى، و(لَو) مصدريةٌ، فيها معنى التمنّي؛ يودُّ أحدُهم تعميرَ ألف سنةٍ، و(سنة) تُجمعُ على سنين وسنوات، وأصلُ سنة سنوة، لجمعها على سنوات، وقيل أصلُها سَنْهَة كجَبْهةٍ، لقولهم: تَسنّهَتِ النخلةُ، إذا أتَت عليها السّنون.

والمعنى: يتمنّى أحدُهم تعميرًا طويلًا في الدنيا، حتى لو امتدّت شيخوختُه إلى ألفِ سنةٍ ما سَئمَ الحياةَ، وما تبرّمَ؛ لشدةِ تعلقِهِ بها، يحبّها ولو كانتْ مِن السّوءِ بالمكانِ الذي يبلغُ أرذلَ العمرِ، من الضعفِ والوَهنِ والعجزِ والمعاناةِ الشديدةِ، فهو حرصٌ على حياةٍ استحالت كلّها كدرًا ومنغِّصاتٍ.

(وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) ضميرُ هو يعودُ على الواحدِ من اليهود، الحريصِ على الحياةِ، والزحزحةُ التبعيدُ، والمصدرُ مِن أنْ والفعل:

(أَنْ يُعمّرَ) فاعلُ مزحزِحِهِ، أي: ما الواحدُ منهم، الذي يتمنّى أنْ يمتدَّ عمرُهُ ألفَ سنةٍ؛ بمَن يزحزِحهُ مِن العذابِ تعميرُه، فلن ينجيَه طولُ عمرِه وحرصُه على الحياةِ مِن العذاب (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) فيه معنى الوعيد، فهو عليمٌ سبحانَه بعلانيتهم وسرّهم، فلنْ يكونَ لهم مهرَبٌ مِن عذابِ الله.

(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ) (مَنْ) مِن ألفاظِ العمومِ، والمرادُ بها خصوصُ اليهودِ، والعدوّ: المبغِضُ، مِن عَدَا يعْدُو إذَا وَثَبَ؛ لأنّ المبغِضَ يثِبُ على مُبغَضِه لينتقمَ منهُ، وجبريلُ اسمُ الملكِ الذي ينزلُ بالوحيِ، وهو روحُ القدسِ، والروحُ الأمين، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ)[1] (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ عَلَى قَلْبِكَ)[2] والقلبُ موضعُ العقلِ والعلمِ (بِإِذْنِ اللَّهِ) بإرادتِهِ وعلمِهِ. 

وقد عُرفَ اليهودُ بعداوتِهم لجبريلَ عليه السلام، ففي حديثِ أنسٍ رضي الله عنه عندَ البخاري: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُوم رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهْوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ (أي: يجتني ثمارَ حائِطِه)، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ؛ فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: (أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا), قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) .... الحديث. فإنّهم أبغضُوه؛ لأنه يجيءُ بما فيه شدةٌ، وبالأمرِ بالقتالِ.

وعند الترمذي: قالت اليهود للنبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَاحِبُكَ - أي: الذي يأتيكَ بالوحيِ - حَتَّى نُتَابِعَكَ؟ قَالَ: (جِبْرِيلُ) قَالُوا: ذَاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَبِالْقِتَالِ، ذَاكَ عَدُوُّنَا! لَوْ قُلْتَ: مِيكَائِيلُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْقَطْرِ وَبِالرَّحْمَةِ تَابَعْنَاكَ، فرد الله عليهم: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ ...). 

(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) ضمير (إنَّه) لجبريل، أو للباري عزَّ وجلَّ، فعلى الثانِي يكونُ ضميرُ (نَزلَه) عائدًا على جبريل، وعلى الأول يكونُ ضميرُ (نَزّلَه) للقرآنِ، إمّا لتقدّمِ ذكرِه في قولِه: (وَإذَا قِيلَ لَهُم آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ)، أو لِأنّ الفعلَ لا يصلُحُ إلّا له، كما في قولِه تعالَى: (حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ)[3] فإنّ السياقَ يعَينهُ للشمسِ ولو لمْ تُذكَر، وعودُه في قوله: (نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) على غيرِ مذكورٍ يدلّ على فخامةِ شأنهِ، كأنّه لفرطِ شُهرتِه لم يُحتَجْ إلى سبقِ ذكرِه.

والمعنى: أخبرهم بأن مَن كان عدوًّا لجبريل فإنه عدوٌّ لله؛ لأنّ الله تعالى هو الذي أرادَ نزولَ جبريل بالقرآنِ على قلبِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، حالةَ كونهِ (مُصدِّقًا) ومؤيّدًا (لِمَا بَينَ يَدَيهِ) لِما تقدَّمَه مِن الكُتبِ، ومنها التوراةُ، التي أُنزلَت على موسَى عليه السلام، وهذا - لِمن أنصفَ - يستدعِي محبّةَ جبريلَ لا بُغضَه (هُدًى وبُشرَى لِلمُؤمِنينَ) في القرآن هدًى وبشرَى، تزيدُهم هِدايةً ويقينًا وفرحًا وتمسُّكًا بدينِهم؛ لتصديقِ الكُتبِ بعضها بعضًا، ونزولِهما نزولًا واحدًا. 

(مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) مَن أداة شرط، مَن كان عدوًّا لله وملائكته ورسله وجبريلَ وميكائيل (فَإنَّ اللهَ عدوٌّ للكافِرينَ) هذا دليل جواب الشرط المقدر، وليس هو الجواب، والتقدير: الذين عادوا الله والملائكة فقد كفروا بعداوتِهِم؛ لأنّ الله عدوٌّ للكافرين. 

وجيءَ بالوصف العامِّ (الكافرين) الذي يشملهم وغيرهم، ولم يقل عدوًّا لهم ويخصّهم بالعداوةِ؛ ليحكُم عليهم بالكفرِ، وليدلّ على أنّ اللهَ عاداهم لكفرِهم، وأنّ عداوةَ اللهِ كفرٌ بواحٌ، وأٌظهرَ لفظَ الجلالة (فَإِنّ اللهَ) دونَ ضميرِهِ (فإِنّه) لِمَا يُشعرُ بهِ لفظُ الجلالةِ مِن الرهبة والقُدرةِ العظيمةِ عليهم.

(وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) الفسقُ الخروجُ على الحَدِّ، مِن فَسَقتِ الرُّطبةُ إذَا خَرجَت عن قِشرتِها.     

واللامُ للقسمِ، دلّتْ على قَسمٍ محذوفٍ، أقسمَ البارِي لمحمدٍ صلى الله عليه وسلّم تسليةً لهُ، وتهوينًا مِن شأنِ مكذّبيهِ، بأنّه أنزلَ عليه القرآنَ آياتٍ واضحة، ولوضوحِها وبيانِها لا يجحدُ بها إلّا مَن فسَقَ، وجاوزَ الحدَّ في الكفرِ والعنادِ لأوامرِ اللهِ، وكانَ اليهودُ قالوا لئنْ ظهرَ النبيُّ ليُؤمنُنّ به؛ لِما عرفُوا مِن صفاتِهِ في التوراةِ، فلمّا جاءَهم مَا عرفُوا، وأظهرَه اللهُ تعالى، وأنزلَ معهُ القرآنَ والبيناتِ؛ كفرُوا بهِ.



[1] [النحل:102].

[2] [الشعراء:192،193].

[3] [ص:32].

 

2016-12-26 تاريخ الإضافة: 0 81 ر.م:
المنتخب من صحيح التفسير -الحلقة 59- تابع سورة البقرة